عيلتي اتريقت عليا
وعن البحيرة والعواصف، وعن الطفل اللي كان مؤمن إني أقدر أصلح أي حاجة.
رسالة محمود الأخيرة ما كانتش عن مستقبلي العسكري بس.
كان فاهم حاجة أنا ما فهمتهاش غير متأخر.
إن إني أرجّع أحمد البيت مش معناه إني أنقذه من الخطړ، لكن إني أرفض أنقذه من عواقب أفعاله، وأسيبه يتحول لراجل مسؤول من غير ما أتحمل أنا نتيجة اختياراته.
وإن رجوعي أنا للبيت ما كانش معناه الرجوع للعنوان القديم، لكن الرجوع لنفسي.
خبط حد على الباب.
كان أحمد واقف على العتبة.
إنتِ كويسة؟
هزيت راسي، ورفعت الصورة.
فاكر دي؟
اتأوه.
قصة الشعر دي المفروض تتحاكم على چريمة.
ضحكت، فقعد جنبي.
بعد شوية، بص للصندوق.
ده بتاع محمود؟
أيوه.
هتعملي بيه إيه؟
مررت صوابعي على الغطا.
أخته عندها ابن، كان عنده أربع سنين لما محمود ماټ. دلوقتي كبر وبقى يقدر يفهم الحكاية.
هتديهولها؟
الشارة من حق عيلته.
هز راسه، وبعدها بص للصورة.
مريم… لما كنت صغير، كنتِ فعلًا فاكرة إنك هتقدري ترجّعيني البيت دايمًا؟
بصيت للطفل اللي في الصورة.
أيوه.
ودلوقتي؟
سندت كتفي على كتفه.
دلوقتي أعتقد إنك بقيت عارف الطريق بنفسك.
وطّى راسه، وبعد دقيقة سند كتفه على كتفي.
في الربيع اللي بعده، أحمد جه معايا عشان نسلّم شارة محمود لأخته.
فتحت العلبة على ترابيزة المطبخ، وابنها كان واقف جنبها.
محدش ألقى خطاب، وما كانش فيه داعي للكلام.
لمست الشارة الذهبية المخدوشة وعيطت في صمت، وبعدها مدت إيدها ومسكت إيدي.
كان بيتكلم عنك كتير.
اتجمدت مكاني.
إيه؟
ابتسمت وسط دموعها.
محمود.
خرجت من الأوضة ورجعت بظرف مكتوب عليه اسمي.
بعته ووصّى إني ما أبعتوش ليكي.
بصيت للظرف.
ده شبهه جدًا.
قال إنك هتيجي لما تكوني مستعدة.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
جواه صورة ليا أنا ومحمود، قاعدين على منحدر الطيارة من ورا، مرهقين وبنضحك.
على ضهرها كتب
هي فاكرة إن النجاة معناها تعدّي أصعب يوم في حياتها.
هي غلطانة.
النجاة هي اللي بتبنيه بعد اليوم ده.
قريتها مرتين، وبعدين مرة تالتة.
أحمد كان واقف جنبي، وما طلبش يشوف
الصورة.
وده كان معناه حاجة.
أنا اللي مديتهاله.
قرا الكلمات ورجعهالي، وهمس
كان فاهمك كويس.
للأسف.
أخته ضحكت، وأنا ضحكت معاها.
ولأول مرة، ذكراه ما جتش شايلة معاها ۏجع مۏته بس، لكنها رجّعتلي ضحكته، وقهوته السيئة، وغناه النشاز، وخناقنا السخيف مرة على إذا كان الكورن فليكس ينفع عشا ولا لأ.
الحزن أخيرًا رجّعلي باقي محمود.
بعد سنين، أحمد علّق شارة الترايدنت بتاعته في صندوق صغير في مكتبه، جنب صورة لفريقه وصورة تانية لعيلتنا عند البحيرة.
ما حطهاش في الصالون ولا تحت كشاف، لأنها ما كانتش بالنسبة له مجرد وسام يتباهى بيه.
بقى قائد من النوع اللي يلاحظ الشخص اللي قاعد لوحده.
عرفت ده في اجتماع لتكريم المتقاعدين، لما شاب من البحارة قرب مني وسأل
حضرتك أخت أحمد عبد الرحمن؟
ابتسمت.
على حسب. عمل إيه؟
ضحك، وبعدها بقت ملامحه جدية.
ساعدني لما غلطت. ما بررش غلطي، وخلاني أتحمل المسؤولية، لكنه ما سابش يوم سيئ يحدد أنا هبقى مين.
حلقي اتقفل.
بصيت للناحية التانية من القاعة، ولقيت أحمد بيتكلم مع بابا. بقى أكبر، وأهدى، وأقل كلامًا.
أحمد بص ناحيتنا، وعينينا اتقابلوا.
ما كانش محتاج يسمع الكلام.
حطيت صباعين على قلبي، فعينيه اتمَلَت بالدموع، وهز راسه هزة صغيرة.
نفس الهزة اللي عملتها له يوم المراسم.
ماما قربت ومعاها كيكة. ما بقتش تلبس عقد اللولي؛ من كام سنة أهدته لسلمى مع رسالة بتقول فيها إن مجوهرات العيلة المفروض تخلق ذكريات أحسن من المقارنات القديمة.
بابا جه وراها بالقهوة، وخرجنا كلنا.
ضوء الغروب كان بيلمع على المية، وأولاد أحمد بيجروا حفاة على الشاطئ، ويصرخوا كل ما الموج البارد ېلمس رجليهم.
واحدة منهم جريت ناحيتي.
يا طنط مريم!
فتحت دراعاتي، ورمت نفسها في حضڼي.
أحمد نادى من وراها
بالراحة على عمتك!
رفعت حاجبي.
بابا صړخ ضاحكًا
دي رتبتها أعلى منك!
أحمد اتأوه.
يا بابا!
إيه؟ مستني سنين عشان أقولها!
ماما ضحكت، وأنا ضحكت معاهم.
البنت اللي في حضڼي بصتلنا وسألت
يعني إيه رتبتها أعلى؟
أحمد قرب منها، وقعد على ركبته.
يعني مفيش أي معنى للكلام ده وقت العشا العائلي.
بصيتله، فابتسم.
وفي اللحظة دي فهمت آخر جزء من الحكاية.
الانتصار ما كانش في التحية العسكرية، ولا الكرسي المخصص ليا، ولا الرتبة اللي عيلتي ما كانتش تعرفها، ولا سنين الخدمة، ولا الشارة المحفوظة في صندوق خشب.
الانتصار الحقيقي كان إن محدش على الترابيزة محتاج مني أكون شخصية عظيمة عشان يحبني.
وإني ما بقيتش محتاجة ندمهم عشان أثبت إني أستحق الحب.
الشمس كانت بتغيب، وماما نادت علينا ندخل.
بنت أحمد حشرت إيدها الصغيرة في إيدي، ومشيت معاها بهدوء.
عند الباب، بصيت للمية مرة أخيرة، وافتكرت كلام محمود
قضيتي عمرك فاكرة إن شغلك هو إنك ترجّعي كل الناس بسلام. في يوم هتعرفي إن كان فيه حد لازم يرجّعك إنتِ كمان البيت.
كنت فاهمة كلامه غلط.
قضيت سنين مستنية حد تاني يبقى الشخص ده؛ بابا، أو ماما، أو أحمد، أو صديق، أو قائد يلاحظ تعبي ويقول لي إني أقدر أرتاح.
لكن محمود ما كانش يقصد كده.
الشخص اللي كان لازم يرجعني البيت، هو الشخص الوحيد اللي كنت بسيبه ورايا كل مرة الواجب يناديني.
أنا نفسي.
لمست ساعتي الفضية اللي لسه في إيدي، وبعدها دخلت.
أحمد مسك الباب ليا، وماما كانت بتتخانق مع بابا على الحلو، والأطفال بيضحكوا، والأطباق بتخبط في بعضها، وحد كان كبّ الليمونادة على الترابيزة.
محدش واقف انتباه.
محدش بيؤدي تحية عسكرية.
ومحدش مهتم أنا كنت برتبة إيه.
أحمد بصلي وسأل
جاية يا مريم؟
طول عمري، كلمة البيت كانت بتوصلني كأنها أمر، وكأن المطلوب مني أصغر نفسي وأبقى أسهل في الفهم.
لكن المرة دي، كانت دعوة.
بصيت للأوضة المليانة أصوات وضحك،
وبعدين لأخويا.
ابتسمت وقلت
أيوه.
دخلت البيت.
أنا رجعت البيت.
النهاية