عيلتي اتريقت عليا

لمحة نيوز

في القوات المسلحة، قلت.
بابا رمش بعينيه.
لمدة قد إيه؟
أربعطاشر سنة.
ماما مسكت الكرسي كأن رجليها مش شايلينها.
مستحيل.
دي الحقيقة.
إنتِ سيبتي الجامعة!
بعدين اتقبلت في برنامج إعداد الضباط، وكملت دراستي وأنا في الخدمة.
بس كنتِ بتقولي إنك مسافرة!
قلت إني بره البلد، ما قلتش أكتر من كده.
صوت بابا اتكسر.
أربعطاشر سنة؟
بصيتله.
إنت بطلت تسأل من أول سنة.
سكت تمامًا.
أحمد نزل من المنصة.
رتبتك أعلى من رتبة العميد طارق؟
شهقات خفيفة انتشرت بين الحاضرين، وحتى العميد طارق كاد يبتسم.
أنا ما ابتسمتش.
ده أكيد السؤال الغلط.
أحمد أصر
جاوبيني.
مش هنا.
ليه؟ عشان فجأة بقيتي خاېفة تحرجيني؟
كانت دي طريقته القديمة؛ يدور على مكان يفرغ فيه وجعه وغضبه.
دانيال اتحرك ناحيته، لكني رفعت إيدي.
لأ.
وبصيت لأخويا.
عايز الحقيقة؟
صدره ارتفع وهو بياخد نفسًا عميقًا.
أيوه.
أنا تقريبًا ما كنتش هاجي.
الجملة وجعته أكتر من أي حاجة تانية.
رفعت علبة محمود السودا.
محمود كان عارف اسمك. كان عارف إن عندي أخ صغير نفسه يحقق الحلم ده أكتر من أي حاجة. كان عارف إنك كنت بتعوم في البحيرة لحد ما بابا يطلعك منها وقت الغروب، وإنك كسرت دراعك وإنت عندك اتناشر سنة وعيطت لأن الدكتور قال إنك مش هتلعب كورة لمدة تمن أسابيع.
أحمد فتح بقه شوية.
كنت بحكيله عنك وإنت لسه شخص أقدر أحكي عنه من غير ما أضطر أدافع عن تصرفاته.
صوتي اتهز رغم محاولتي السيطرة عليه.
ليلة ما محمود ماټ، خلاني أوعده بحاجة.
دانيال اتغيرت ملامحه. ما كنتش حكيت الكلام ده قدام حد قبل كده.
قال لي لو نجحت في إنك توصل لهدفك، أجيبلك الشارة دي.
مديت العلبة لأحمد، لكنه ما أخدهاش.
كان عارف إني بحاول؟
أيوه.
عرف منين؟
أنا اللي قلتله.
بص للشارة وسأل
قال إيه؟
رجعت لآخر لحظات محمود، لدرجة إني قدرت أشم ريحة التراب والمطهر، وأفتكر إيده وهي بتقبض على إيدي بضعف.
صوته كان شبه مختفي.
قولي لأخوك الصغير إن الشارة مش هي اللي بتصنع الراجل. الراجل هو اللي لازم يفضل يستحق الشارة.
بلعت ريقي وكررت كلامه لأحمد.
عينيه اتمَلَت بالدموع، فلف وشه بعيد.
وفي اللحظة دي، ماما بوّظت كل حاجة.
مش بقصد، ويمكن ده اللي خلّى الأمر أصعب.
قربت مني وهمست
ليه تخبي حاجة مهمة بالشكل ده عن عيلتك؟
ضحكت ضحكة واحدة، صغيرة وفاضية.
أخبيها؟
رجعت خطوة لورا.
بصيت لبابا.
فاكر عيد ميلادي لما كملت تسعة وعشرين سنة؟
وشه اتغير.
مريم…
فاكر ولا لأ؟
هز راسه ببطء.
اتصلت بيا من مطعم، قلتله. وفضلت تمرر التليفون من واحد للتاني، عشان كلهم يباركوا لأحمد بعد ما اتقبل في أول برنامج تمهيدي ليه. وفي وسط الكلام، خالتي نادية سألتني إذا كنت أخيرًا لقيت شغلانة بجد.
محدش اتحرك.
أنا كنت بتصل بيكم من غرفة تعافي في مستشفى.
ماما حطت إيدها على بقها.
كملت قبل ما أفقد شجاعتي.
كنت اتصبت قبلها بإحدى عشر يوم. ما قدرتش أسافر، وما كانش ينفع أقولكم أنا فين أو إيه اللي حصل.
بابا همس
ما كناش نعرف.
لأ، ما كنتوش تعرفوا.
عيني كانت بتحرقني.
بس كنتوا عارفين إني لوحدي.
ودي كانت الحقيقة اللي فهمها الكل.
خالتي نادية بصت للأرض، وسلمى وشها احمر، وماما مدت إيدها ناحيتي.
رجعت خطوة
لورا، ففضلت إيدها معلقة في الهوا.
فجأة أحمد قال
كفاية!
لفيت ناحيته، وكان بيمسح وشه پعنف.
للحظة افتكرت إنه هيدافع عنهم، لكن بدل كده لف ناحية عيلتنا.
كفاية!
بص لماما.
إنتِ قلتي للأمن إنها مش مهمة.
ماما هزت راسها.
ما كنتش أعرف…
وده المفروض يفرق في إيه؟
ماما اتجمدت مكانها.
أحمد أشار للكرسي اللي كنت قاعدة عليه.
يعني لو ما كنتيش عارفة إنها قائدة، يبقى عادي تقللي منها؟
ما قصدتش يا أحمد…
إنتِ قلتي الكلام ده.
وبعدين بص لبابا.
وإنت سيبتهم يسخروا منها.
بابا شد فكه.
كنت بحاول أتجنب مشكلة.
أحمد ضحك ضحكة مکسورة.
دي حجتك دايمًا، لما المشكلة تكون بتوجع مريم مش إنت.
بابا اتأثر بالكلام.
بصيت لأخويا، ولأول مرة في اليوم ده ما شفتش الابن المثالي. شفت الطفل اللي كان بيستخبى في سريري وقت العواصف.
سلمى همست
كنا بنهزر.
أحمد لف ناحيتها.
لأ، إنتِ كنتِ مستمتعة.
خالتي نادية قامت.
يا أحمد، المفروض النهارده يكون يوم سعيد…
بطلي تقوليلي المفروض أحس بإيه!
صوته اتردد تحت المظلة، ومحدش تدخل.
بص لعيلتنا كلها وقال
أنا قضيت سنين بسيبكم تعاملوا مريم كأنها عار العيلة، لأني كل مرة كنتوا بتقللوا منها، كنت بحس إني أكبر في عينيكم.
نفسه بقى متقطع.
والحقيقة إني كنت بحب الإحساس ده.
وبعدين بصلي.
دي الحقيقة يا مريم.
حلقي اتقفل.
قرب مني وقال
كنت عارف إنك مش قاعدة من غير هدف.
وقفت أنفاسي.
ماما بصتله پصدمة.
يعني إيه؟
أحمد كمل وهو باصصلي.
من سنين، لقيت صورة ليكي في شقتك. كنت بدور على شاحن، ولقيتك واقفة جنب طيارة هليكوبتر مع محمود رشدي وتلاتة تانيين، وكلكم لابسين الزي العسكري.
دانيال غمض عينيه.
أحمد كمل
عرفت محمود بعدين لما بدأت التدريب.
صوتي طلع بالكاد مسموع.
بقالك قد إيه عارف؟
خمس سنين.
خمس سنين من السخرية، وخمس سنين وأحمد عارف على الأقل إنهم ظالميني.
كنت عارف، قلتله.
هز راسه.
ما كنتش عارف كل حاجة.
كنت عارف كفاية.
أيوه.
ليه؟
سكت لحظة، وبعدين قال
كنت خاېف.
من إيه؟
بص للشارة اللي على صدره.
لو عرفوا حقيقتك، ما كنتش هفضل الشخص الأهم في نظرهم.
حسّيت إن الدنيا ضاقت حواليا.
ما كانش ڠضب، ولا حتى صدمة. كان ۏجع عميق وصافي.
أحمد همس
كنت عايزهم يبصوا لي بالطريقة اللي عمرهم ما بصوا بيها ليكي.
هزيت راسي.
هم كانوا بيحبوّك قدامي يا أحمد، وبصوت عالي كمان. ما كنتش محتاج تاخد مني حاجة عشان تحس إنك مهم.
بدأ يعيط.
عارف.
سيبتني قاعدة هناك.
عارف.
وقلت إني جيت عشان ألفت الانتباه.
عارف.
وإنت كنت عارف الحقيقة.
عارف.
كل إجابة كانت أضعف من اللي قبلها.
بصيت لأخويا اللي دافعت عنه قدام لجنة التقييم، واللي كنت باحتفظ بصورته معايا في مهماتي، واللي محمود كان بيسمع حكاياته مني وإحنا مستنيين أوامر لمهام ما ينفعش نتكلم عنها في البيت.
وفهمت إن القرار الأخير لسه في إيدي.
كان ممكن أفضحه قدام العميد طارق ودانيال وزمايله، وأقولهم إنه تعمد يهين ضابطة أعلى منه رتبة، وإنه كان عارف حقيقتي وسكت.
كان ممكن أخلي أهم يوم في حياته ينهار قدام عينيه.
جزء مني كان عايز يعمل كده.
لكن بصيت لشارة محمود.
الراجل لازم يفضل يستحق الشارة.
قفلت العلبة.
أحمد راقب إيدي.
مش هدمر مستقبلك العسكري.
رفع عينيه ليا.
لكن مش هفضل أحميك من نفسك.
هز راسه.
يعني مش هطلب منك تصلحيلي كل حاجة. مش هطلب منك توصيات، ولا تكلمي ناس بتحترمك عشان تسهّلي لي الطريق.
سكت لحظة، وبعدين سألته
عايز تحتفظ بالشارة دي؟
لمست الشارة الجديدة على صدره.
لو عايزها، خليك شخص يستحق معناها، حتى لو محدش صفقلك.
دقنه اترعشت.
حاضر يا سيادة القائدة.
رجعت خطوة.
لأ، ما تنادينيش كده.
حلقي
اتقفل.
لو هنصلح اللي بينا في يوم، ابدأ باسم مريم.
غمض عينيه، وبعدين قال
مريم.
المراسم استكملت بعد عشرين دقيقة.
قعدت على الكرسي المخصص ليا، مش عشان عيلتي تشوفني، لكن عشان محمود كان طلب مني أكون موجودة.
أحمد وقف وسط زملائه، ولما انتهت الكلمات الأخيرة وارتفع التصفيق، ما بصش لماما ولا لبابا.
بصلي أنا.
هزيت راسي له بالموافقة.
وبس.
في الاستقبال، عيلتي فضلت بعيدة عني، ولأول مرة ما كانش عندهم كلام يقولوه.
سلمى كانت أول واحدة تقرب، ومعاها كوبايتين مية. مدتلي واحدة.
أنا آسفة.
أخدتها، واستنيت.
يمكن كانت مستنية إني أريحها من الإحراج، لكني ما عملتش كده.
بعد لحظة قالت
اللي قلته كان قاسې.
أيوه.
عينيها اتمَلَت بالدموع.
كنت فاكرة إننا كلنا بنهزر.
عندك واحد وتلاتين سنة يا سلمى.
وطّت عينيها، وبعدها هزت راسها ومشيت.
خالتي نادية ما قربتش أصلًا.
بابا هو اللي جه ناحيتي. لقاني واقفة بره، عند طرف مكان الاستقبال، والنسمة جاية من البحر بريحة الملح.
وقف جنبي شوية من غير كلام، وبعدين قال
أنا خذلتك.
من غير أعذار، ومن غير كلمة لكن.
وده فاجأني.
بصيت لهليكوبتر

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *