عزه نفس في بلاد الغربه ج٣ منى السيد
الجزء الثالث والأخير
السكوت خيّم فجأة على المحل الصغير في فيصل؛ حتى صوت ملاعق الأكل ورنين الحلل الاستانلس في المطبخ الداخلي حس الناس كأنه هدي. وائل كان متصلب مكانه، رجليه متسمرة في الأرض زي جذع شجرة ناشفة، وشه بهت لدرجة إنه بقى بلون الحيطة الجير، وحبات عرق بارد بدأت تلمع على جبينه رغم الجو المعتدل. كان حاطط إيده في جيبه، صوابعه المرتعشة بتلمس تلاتين جنيه ورق مفرتكة، بيبص لأميمة وهي بتقرب عليه، والذكريات بتلف في دماغه زي شريط سينما سريع ومفزع صورة البنت اللي كانت ماسكة الشرشوبة وبتمسح البلاط ورا الطباخين، صورة المنديل الأبيض القديم اللي شافها بتطلعه من شنطتها، وصوت كسر خاطرها لما دلق علبة أكلها في الأرض ورماها برة برمي البلا في نص الليل.
كان مستنيها تصرخ فيه.. مستنيها تشاور عليه قدام الزباين وتقول امسكوا ده! هو ده الراجل
المغرور اللي طردني وظلمني وجاع دلوقتي وجاي يقف في طابوري!.. لف وشه وخد خطوة للخلف عشان يهرب من الباب، كتفه خبط في إطار الباب، وراسه مطاطية في الأرض من كتر الخزي والمهانة.
لكن خطوة أميمة كانت هادية وراسية.. مفيهاش لهفة اڼتقام ولا فيها غرور القوة. وقفت قدامه على بعد خطوتين، وبصت في عينيه مباشرة بنظرة صريحة وصافية، نظرة بنت البلد اللي عينها مليانة بالرضا ومفيش في قلبها غل يشوهه.
أهلاً بحضرتك يا أستاذ وائل.. خطوة عزيزة، نورت فيصل.
الكلمة نزلت على وائل زي كرباج سخن؛ لو كانت شتمته أو ضړبته بالقلم كان هيبقى أهون عليه مېت مرة من الأدب والذوق ده. لسانه تقل، وشفايفه الناشفة كانت بتترعش وهو بيحاول يدور على أي صوت يخرج من حنجرته أميمة.. أن.. أنا.. الكلمة وقفت في زوره، وعينيه دمعت رغماً عنه، نزل راسه في الأرض وهو بيكمل بصوت مكسور
أنا مكنتش أعرف إن ده محلك.. أنا كنت بدور على أي لقمة رخيصة تسند طولي.. أنا ماشي، حقك عليا، ومش هتشوفي وشي هنا تاني.
لف ضهره عشان يخرج للشارع ويهرب من عيون الناس اللي كانت متابعة، بس أميمة مدت إيدها ومسكت طرف كم بدلته القديمة بالراحة من غير قسۏة، وقالت بصوت واضح سمعته الصالة كلها استنى هنا بس، إحنا فلاحين وولاد أصول يا أستاذ وائل، ومفيش حد بيدخل عتبة بيتنا أو محلنا ويخرج ببطن خاوية.. حتى لو كان مين. اتفضل اقعد.
شاورت على ترابيزة صغيرة في الركن جنب شباك المحل، ترابيزة هادية ومستورة عن دوشة الطابور. سامح كان واقف ورا الكاونتر، عروق رقبته نفرت أول ما لمح وائل، وإيده ضغطت على قلم الحسابات كأنه هيكسره، وكان على وشك ينط من ورا الكاونتر عشان يصفي حسابه القديم معاه، لكن أميمة بصت لسامح نظرة واحدة بس، نظرة فهمها سامح على طول
سيب