راجل مصري راح يبيع حكايات بسمه
لمحة نيوز
19 سنة بيبكيها لسه عايشة، وإن عنده ابن بقى شاب من غير ما يشوفه ولو مرة واحدة.
نزل عادل البلد وراح استأجر أوضة في بنسيون صغير، وقبل ما يدخل، اتصل بمحاميه.
قال بلهجة حاسمة
إلغاء البيع فورًا.
شريف اتفاجئ
بس يا فندم، إحنا اتفقنا مع المشتري، وفي التزامات
قاطعه عادل
البيت ده فيه مراتي وابني!
سكت المحامي.
سكوته كان غريب أطول من اللازم، وكأن فيه حكاية قديمة بيحاول يخبيها.
ولأول مرة، عادل بدأ يشك إن اختفاء نادية ما كانش مجرد حادثة، وإن فيه سر محدش عايزه يعرفه.
لكن اللي ما كانش يعرفه إن الشخص اللي خد منه مراته وابنه، لسه قريب منه لحد النهارده وإن الحقيقة اللي هتتكشف قريب ممكن تدمّر العيلة كلها!
حكايات بسمة
سكت المحامي شريف الدمنهوري على التليفون، والهدوء اللي ساد المكالمة كان تقيل ومريب لدرجة إن عادل سمع صوت أنفاسه الاضطرابية من الناحية التانية.
يا أستاذ عادل.. أنت أكيد تعبان من السفر والذكريات، مرتك المرحومة نادية الله يرحمها ماتت غرقانة من 19 سنة وأنت بنفسك حضرت العزاء! مين الست اللي بتقول عليها دي؟! أوعى تكون حد استغل شباهتها عشان يستولى على الأرض والبيت!
عادل قال بصوت حاد كالصلب، صوت راجل امبراطوريته اتكتبت بعرقه بس قلبه اتذبح من سنين
الست دي هي نادية يا شريف.. والشاب اللي معاها هو ابني يوسف! اللي اتولد يوم 18 أبريل! وأنا مش همشي من المنوفية ولا همضي على ورقة واحدة إلا لما اعرف الحقيقة كاملة! البيع اتلغى، وأي تحرك من المشتري هعتبره اعتداء على ملكي وحيازي!
قفل عادل المكالمة في وش المحامي من غير ما يستنى رد.
الليل نزل على قرية المنوفية، وعادل ما قدرش ينام في البنسيون. فضلت صور نادية، الخدود المجهدة، الأيدي الخشنة، والشاب يوسف اللي عينيه نفس عينين عادل، بتطارد عقله وتستنزف روحه.
الساعة كانت 6 الصبح، والشمس لسه بتشق طريقها بين غيطان الذرة.
عادل خرج من البنسيون واتجه مشياً على الأقدام للبيت القديم اللي جنب الترعة. أول ما قرب من البيت، شاف نادية واقفة في الحوش بتسقي شجرة اليوسفي الصغيرة اللي كان زرعها معاها يوم خطوبتهم.
وقف عند الباب الخشب الموارب، وقال بصوت دافي وعميق مليان شجن
نادية.. أنا مش جاي أخد البيت، ولا جاي أفرض نفسي على يوسف.. أنا جاي أسمع الحقيقة اللي اتحرمت منها 19 سنة. لو كنتِ شايفاني نذل وسيبتك، اقفي في عيني وقوليلي ليه؟!
نادية إيدها اتجمدت على صفيحة المية. لفت ببطء وبصت له، ودموعها بدأت تتساقط على وجنتيها المجهدتين.
فتحت الباب ببطء وقالت بصوت مكسور
ادخل يا عادل.. يمكن جه الوقت اللي الساقية تدور فيه وتبان حقيقتها.
دخل عادل الحوش، وقعد على الصندوق الخشب القديم، ونادية قعدت قصاده على القش، وجابت ملف أوراق أصفر قديم ومتهالك من تحت المخدة.
بدأت تحكي والدموع بتخنق صوتها
من 19 سنة.. لما أنت سافرت القاهرة عشان الشغل، أمك الحاجة زينب وشريف المحامي جوم هنا البيت في ليلة المطر والسيول. أمك دخلت عليا المطبخ وقالتلي بلغة قاسية إنك اتجوزت بنت صاحب شركة المقاولات في القاهرة عشان تضمن مستقبلك، وإنك بعتلي ورقة طلاقي مع شريف!
عادل عينيه اتسعت برعب لا يوصف
طلاقك؟! أنا عمري ما طلقتك ولا فكرت أعيش مع ست غيرك!
نادية كملت بصرخة وجع
شريف المحامي طلع ورقة مزورة بتوقيعك وبصمتك، وقالي إنك مش عايز العيل اللي في بطني، وإني لو فتحت بوقي أو جيت القاهرة، هيسجنوا أخي الغلبان بتهمة سرقة مواد بناء من شركتك! أمك وشريف أخدوني في عربية بالليل ورموني في بيت قديم مهجور أقصى البلد، وقالوا للبلد كلها إني خرجت في السيول والنهر جرفني وموت!
عادل حط إيده على رأسه وصوته خرج بصرخة هزت جدران البيت
أمي وشريف؟! أمي هي اللي عملت كده فيا وفي ابني؟!
نادية بكت بحرقة
أمك كانت شايفة إن وجودي بيعطلك ويخليك فقير.. وشريف كان مستفيد لأنه كان بياخد عمولات من الصفقة اللي أمك نظمتها عشان تبيع الأراضي وتدفعله! أنا عشت 19 سنة هنا في خفا، بشتغل في خدمة البيوت والغيط عشان أربي يوسف وأعلم، وأقنعته إن أبوه مات قبل ما يتولد عشان ما يكرهكش، بس لما كبر وشاف قسوة الدنيا وعرّف إن الأرض هتتباع، عرف الحقيقة كاملة وكرّه اسمك!
في اللحظة دي.. الباب الخارجي للحوش اتضرب بقوة انكسر بعدها القفل الخشبي!
دخل يوسف الشاب، ومعاه فاس في إيده وشعره مبلول من الشغل في الغيط، وعينيه مليانة شرار وغضب أول ما شاف عادل قاعد مع أمه!
يوسف صرخ وهو بيحرك الفاس
أنت لسه هنا؟! أخرج برة بيتنا بدال ما أفرغ الفاس دي في رأسك! أمي قالتلك مش عايزين منك حاجة!
عادل قام وقف بثبات، وما اتخضش من الفاس. مشي بخطوات بطيئة وقرب من يوسف لحد ما بقى السلاح على بعد سنتيمترات من صدره.
قال عادل بدموع حارة وصدق يكسر الصخر
اضرب يا يوسف.. اضرب ابنك وأبوك لو شايف إن ده يرجع سنين الوجع اللي عشتوها. بس والله العظيم يا ابني، أنا ما بعتكم، ولا طلقت أمك، ولا عرفت إنك اتولدت إلا إمبارح! أنا عشت 19 سنة ميت وببكي على قبر فاضي أمك مش جواه!
يوسف إيده بدأت ترتعش، والفاس سقطت من إيده على التراب الرطب. بص في عينين عادل