بنتي الى عندها ٤ سنين حكايات بسمه

الصمت اللي خيّم على القصر في اللحظة دي كان أتقل من جبال الرخام اللي مبني منها المكان. الحراس الأربعة واقفين في زوايا الصالون كأنهم تماثيل تحولت لحجر، حلميمسؤول الحراسة الشخصية لمراد والدراع اليمين ليه بقاله خمسة وعشرين سنةكان

موقع أيام نيوز

ماسك فنجان القهوة على إيده اللي بتتغذى بعصبية، وعينيه متسعة پصدمة راجل شاف المۏت بيتحرك قدامه.
مراد الدمنهوري.. الراجل اللي نفوذه بيهز بورصة القاهرة، واللي لو شخض في مسؤول كبير في الدولة يقعده في بيته، كان واقف بطوله الفارغ وجسمه العريض يتطلع للطفلة الصغنونة اللي واقفة قدامه بشرابها الأصفر وبنطلونها الجينز المطرّز بفراشات ملونة.
أنا كنت جاثية على ركبتي على أرضية الرخام الباردة، بين حبات الليمون الصفرة اللي كانت مالية المكان، إيدي بتترعش وأنا ماسكة طرف المريلة البيضا، ونفسي مقطوع تماماً. كنت حاسة إن قلبي بيدق في حنجرتي، ومستنية في أي لحظة إشارة بسيطة من صباعه للحراس عشان يشيلونا ويرمونا برة البوابة الحديدية.. أو ما هو أسوأ.
مراد ما نزّعش. ما صرخش. وما إداش أي أمر.
هو بس نزل بعينيه الباردة الرمادية على نور. نظرة كانت غريبة، نظرة خالطها ذهول مكتوم ودهشة قديمة بقالها سنين ما دخلتش قلبه. ببطء شديد، نزل على ركبة واحدة قدامها، الحركة دي خلّت جزمة جيلده الإيطالي الفاخرة تعمل صوت احتكاك خفيف على السجاد الإيراني. بقوا في مستوى طول بعض.
نور ما ارتبكتش، ولا رجعت خطوة لورا. رفعت رأسها أكتر، وحطت صوابعها الصغيرين المليانين شمع بنفسجي على وسطيها، وبصت في عينيه مباشرة بثبات طفولي يطير العقل.
مراد بص لوجهها الصغير، للخدود المحمرة وللشعر الأشقر الملموم بفيوكة حمرة معوجة، وقال بصوت خاڤت جداً، صوت عميق فيه بحة هادية ما حدش في القصر ده سمعها قبل كده
اسمك إيه؟
نور رفعت حاجبيها الصغيرين وقالت بنبرة حازمة
اسمي نور سارة. وإنت عمو الباشا.
مراد رمش مرتين بالراحة، وكأن الكلمة بتتردد في دهاليز عقله
عمو الباشا؟
أيوه. وإنت كده خالفت القوانين الثلاثة بتوع الصالون. حطيت الجزمة على الكنبة البيضا، ومأكلتش الفطار السخن بتاع ماما، وكنت بتزعق في التليفون بصوت يخوف.. يبقى لازم تقف في الركن أربع دقايق عشان تتفكر في اللي عملته وتعتذر.
حلمي الحارس ورا مراد أخد نفس مكسور وسريع، وكأنه خاېف ينطق وېموت في مكانه. أنا أترميت تحت رجلين مراد وأنا بدب إيدي على الأرض وببكي بصوت مكتوم
يا باشا مراد.. أرجوك! أرجوك وحياة أغلى ما عندك اغفر لها! دي طفلة عندها أربع سنين، ما تفهمش حاجة في الدنيا ولا تعرف حضرتك مين! أنا هاخدها وحاجتي دلوقتي حالا ومش هتشوفوا وشنا في المنطقة كلها! أرجوك ما تئذيهاش!
مراد رفعت إيده الشمال بثبات في الهواء. حركة واحدة منه سكتتني في ثانية. ما بصليش، فضل باصص لنور اللي كانت مستنية إجابته بمنتهى الصبر.
قال بصوت واطي
وأد إيه الوقت يا نور؟
نور شاورت بأربع صوابع صغار
أربع دقايق. دقيقة لكل سنة من عمرك لو كنت صغير.. بس عشان إنت كبير، دقيقة لكل غلطة وغلطة زيادة عشان القهوة كادت تقع.
مراد هز رأسه ببطء شديد. ملامح وشه الصارمة اللي كأنها منحوتة من صخر المقطم بدأت تطرى. وقف ببطء، طالع لطوله وجسمه الضخم، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، شفت طرف شفايفه بيترفع بابتسامة باهتة جداً، ابتسامة اختفت في أقل من ثانية، بس كانت كافية إنها تخلي حلمي يفرك عينيه ومش مصدق اللي بيشوفه.
مراد مشي.. بخطوات متزنة وهادية، اتجه مباشرة للركن اللي جنب نباتة الفيكس الضخمة اللي في زاوية الصالون. قلع جزمتيه بنفسه وحطهم جنب الحيطة بنظام، ووقف وشه للحيطة، وظهر لجميع اللي في القصر!
أنا بقيت باصة للركن وعيني اتسعت لدرجة إن الدموع جفت فيها.
مراد الدمنهوري.. اللي كبار رجال الدولة والأعمال بيترعبوا من

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *