متزعلش يا عمو
متزعلش يا عمو مراد أنا لما أكبر هتجوزك.
الجملة دي قالتها بنت الخدامة الصغيرة، بعد ما العروسة سابتني واقف قدام الكوشة قبل الفرح بدقايق لمجرد إني على كرسي متحرك.
كان فيه حوالي تلتميت واحد واقفين بيتفرجوا عليّا وأنا بتعرض لأكبر إهانة في حياتي، ومع ذلك ما نزلتش دمعة من عيني، وما خليتش وشي يفضح اللي جوايا.
لكن الغريب
إن كلام طفلة بريئة ما كانتش فاهمة حتى معنى الجواز، هو اللي كسر آخر حتة تماسك كانت فاضلالي.
الصبح ده، كنت واقف قدام المراية في أوضتي، وبربط الكرافتة السودة للمرة الرابعة.
إيدي كانت بتترعش.
شدّيتها زيادة عن اللزوم، وبعدين فكيتها وربطتها من جديد.
من ورايا، كان عم صابر، كبير الخدم عندنا بقاله أكتر من عشرين سنة، واقف ساكت بيتفرج عليّا.
إنت بتبصلي ليه يا عم صابر؟
اتنحنح وقال
عشان حضرتك النهارده شكلك مختلف.
بصيتله من خلال المراية.
مختلف إزاي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
شكلك واحد مستني حاجة حلوة تحصل.
لأول مرة من فترة طويلة، قربت أبتسم.
من سنتين، حياتي كلها اتقلبت في لحظة.
كنت راجع من اجتماع مهم، والعربية اتضرب عليها نار في طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.
الرصاص خد مني حاجات كتير.
أصحابي.
شغلي.
وحركتي.
صحيت في المستشفى بعد شهور، وأنا مش قادر أحرك رجلي.
الدكاترة قالوا إن احتمال إني أمشي تاني ضعيف جدًا.
ومن يومها، ناس كتير اتغيرت.
رجالة كانوا زمان بيحسبوا ألف حساب لاسمي، بقوا يبصولي بنظرة غريبة.
بعضهم بقى شايفني ضعفت.
وبعضهم مستني اللحظة اللي يخلص فيها اسم عيلة الشهاوي من السوق.
لكن نادين ما اتغيرتش.
أول مرة دخلت المستشفى بعد الحادث، كانت شايلة باقة ورد أبيض.
قعدت جنبي بالساعات.
ولا مرة بصت للكرسي.
ولا مرة سألتني
هتمشي تاني إمتى؟
كانت بتكلمني عادي.
تضحك معايا.
تحكيلي عن يومها.
وتقنعني إن حياتي ما انتهتش لمجرد إني بقيت على كرسي متحرك.
خلتني أصدق إنها بتحب مراد اللي نجا
مش مراد اللي كان قبل الحادث.
وعشان كده، يوم فرحنا، كنت مصدق إني أخيرًا هبدأ حياة جديدة.
الساعة كانت قربت على 11 الصبح.
الجنينة الكبيرة بتاعت الفيلا كانت متزينة من أول البوابة لحد الكوشة.
حوالي تلتميت مدعو كانوا قاعدين.
رجالة أعمال.
قرايب.
ناس من عائلات كبيرة.
ناس أصحابنا
وناس تانية كانوا أعدائنا، لكن حضروا عشان يشوفوا فرح ابن عيلة الشهاوي.
كلهم كانوا لابسين أحسن ما عندهم.
وكلهم كانوا مستنيين اللحظة اللي العروسة تظهر فيها.
دخلت تحت الكوشة وأنا على الكرسي.
المزيكا اشتغلت.
المزيكا اللي نادين نفسها اختارتها.
بصيت ناحية باب الفيلا.
محدش ظهر.
عدت خمس دقايق.
وبعدين سبعة.
وبعدين عشرة.
والباب
ما اتفتحش.
بدأت الهمسات تنتشر بين الناس.
واحد يبص للتاني.
واحدة تحط إيدها على بوقها.
حد يقوم من مكانه ويرجع يقعد.
حسيت إن كل العيون اتثبتت عليّا.
بعد شوية، ظهر عم صابر من بعيد.
كان وشه شاحب.
ولأول مرة في حياتي أشوفه متردد قبل ما يقرب مني.
وقف جنبي وانحنى ناحيتي.
يا باشا
بصيتله.
في إيه؟
سكت ثانيتين، وبعدين طلع ظرف أبيض من جيبه.
لقيت ده في أوضة الهانم.
بصيت للظرف.
كان عليه اسم نادين.
مديت إيدي وأخدته.
فتحته.
جواه ورقة صغيرة.
قريتها مرة.
وبعدين قريتها تاني.
ثلاث جمل بس.
أنا مقدرتش أكمّل.
مش قادرة أتخيل بقية عمري مع راجل مش قادر يقف على رجليه.
سامحني ومتحاولش تدور ورايا.
فضلت باصص للورقة ثواني طويلة.
الغريب إني ما حسيتش بحاجة.
لا غضب.
ولا حزن.
ولا حتى صدمة.
كأن حاجة جوايا اتقفلت مرة واحدة.
طويت الورقة بهدوء.
وحطيتها في جيب بدلتي، فوق قلبي بالظبط.
وبعدين رفعت عيني ناحية التلتميت شخص اللي كانوا مستنيين يشوفوا انهياري.
قلت بصوت ثابت
الفرح اتلغى.
الهمسات اختفت.
كملت
العروسة مش هتيجي.
بس.
ما شرحتش.
ما شتمتش.
ما دافعتش عن نفسي.
ما طلبتش من حد يفضل.
واحد من كبار العائلات، الحاج فؤاد المراغي، قام من مكانه.
قرب مني، وسلّم عليّا، وقال كلام محترم قدام الناس.
لكن وأنا ببص في عينه
شفتها.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ابتسامة راجل كان مستني اللحظة دي من زمان.
ابتسامة واحد شايف إن اسم الشهاوي اتكسر قدام الناس.
ما علقتش.
بس حفظت ملامح وشه كويس.
وحفظت الابتسامة دي.
وبعدين لفيت الكرسي.
ومشيت لوحدي.
عم صابر حاول يلحقني.
يا باشا
رفعت إيدي من غير ما أبصله.
سيبني لوحدي.
دخلت المكتب.
قفلت الباب بالمفتاح.
ورميت نفسي قدام الشباك.
من فوق، كنت شايف الجنينة كلها.
الكراسي البيضا الفاضية.
الكوشة.
الورد.
الأنوار.
كل حاجة كانت جاهزة لفرح
اتحول في دقائق لمشهد جنازة.
بصيت للكراسي.
من فوق كانوا شبه شواهد قبور.
قبور لشيء كنت فاكر إنه بداية حياة جديدة.
قعدت هناك وقت طويل.
ما شربتش.
ما كسرتش حاجة.
ما صرختش.
حتى دموعي ما نزلتش.
بس الغضب اللي جوايا كان هادي بشكل يخوف.
وفجأة
سمعت خبطة خفيفة على باب المكتب.
تك.
تك.
رفعت راسي.
استنيت عم صابر يدخل.
لكن ما سمعتش صوته.
ولا صوت واحد من الحرس.
الخبطة اتكررت.
تك
تك
ببطء، قربت من الباب وقلت
مين؟
جالي صوت صغير جدًا من الناحية التانية.
أنا يا عمو مراد
اتجمدت مكاني.
فتحت الباب.
كانت واقفة قدامي بنت صغيرة، يمكن عندها سبع سنين.
هدومها بسيطة.
وشعرها مربوط بديل حصان.
دي كانت بنت أمينة، الست اللي بقالها سنين بتشتغل عندنا.
كانت ماسكة في إيدها لعبة صغيرة، وعينيها مليانة دموع.
بصتلي، وبعدين بصت للكرسي.
وقربت خطوة.
إنت زعلان عشان العروسة مشيت؟
ما جاوبتش.
هزت راسها بحزن وقالت
متزعلش يا عمو مراد
سكتت شوية.
وبعدين قالت الجملة اللي عمري ما كنت أتخيل إني أسمعها في اليوم ده
أنا لما أكبر هتجوزك.
للحظة
ما عرفت أقول أي حاجة.
وبعدين ضحكت.
أيوه
ضحكت لأول مرة من الصبح.
ضحكة قصيرة مكسورة، بس كانت حقيقية.
نزلت لمستوى عينيها وقلت
وإنتِ عارفة يعني إيه جواز يا بت؟
هزت راسها بحماس.
آه.
وبعدين قربت مني وهمست
يعني لما حد يسيبك تلاقي حد تاني يقولك أنا مش هسيبك.
اختفت الابتسامة من على وشي.
وبصيت لها.
لأن الطفلة الصغيرة دي
كانت لسه هتقول حاجة تانية.
حاجة خلت الدم ينسحب من وشي.
بصت ناحية باب المكتب، واتأكدت إن محدش واقف برا.
وبعدين مدت إيدها الصغيرة وحطت حاجة في