هو انتي مش بتتكسفي من نفسك ج٢
منال علي
الجزء الثاني والاخير 👇🏼
رجعت قعدت مكاني جنب أشرف، فمسك إيدي من تحت السفرة بهدوء، كأنه بيسألني: “إنتِ متأكدة من اللي بتعمليه؟”. بصيتله وابتسمت وأنا بهز راسي… أيوه، أنا متأكدة جدًا.
أما منى… ففضلت تاكل. في الأول كانت بتاكل ببطء، كأنها بتعمل فيا جميل، لكن بعدها بدأت تاكل بشهية؛ خلصت حتة البط كلها، وبعدين خدت رز، وبعدين غرفت صوص، وقالت وهي بتحاول تداري إنها عاجبها:
حكايات منــال عـلـي
ـ الصوص… بصراحة مش وحش، بس لو الحموضة كانت أقل سنة كان هيبقى أحسن.
ابتسمت وقلت:
ـ حاضر… هخلي بالي المرة الجاية. تحبي كمان شوية محشي؟ أصل أشرف بيقول إنك بتموتي فيه.
أشرف بصلي باستغراب؛ لأن منى طول عمرها كانت بتقول إن المحشي بتاعي: “الرز معجن”، “الكرنب مستوي زيادة”، “التسبيكة ناقصها كذا”. لكن المرة دي قالت من غير ما ترفع عينها:
ـ هاتي واحدة.
متوفره على روايات واقتباسات
أنا حطيت لها… اتنين!
الكل بص لبعضه. كريم حاول يداري ضحكته، ونهى زقته في رجله من تحت السفرة عشان يسكت. أما سمر… فكانت أول واحدة فهمت أنا بعمل إيه، فابتسمت وقالت:
ـ بجد يا دنيا… البط تحفة، والسلطة كمان. ينفع تديني الطريقة؟
قلت بابتسامة:
ـ طبعًا… هكتبهالك بالتفصيل.
لكن منى دخلت في الكلام بسرعة:
ـ الوصفة سهلة… المهم الواحد ما يبوظش المكونات. حكايات منــال عـلـي
المرة دي… أشرف حط الشوكة على الطبق، وقال بنبرة هادية… بس حاسمة:
ـ خلاص يا منى… كفاية.
السفرة كلها سكتت. منى بصتله باستغراب:
ـ كفاية إيه؟ أنا قولت إيه غلط؟
قال وهو باصلها:
ـ من أول ما دخلتي البيت وإنتِ بتدوري على أي غلطة. دنيا بقالها يومين واقفة في المطبخ علشاني وعشان اللي قاعدين، وأول كلمة قولتيها: “الأكل اتحرق؟”.
ردت بعصبية:
ـ وأنا مالي؟ أنا بقول الحقيقة… أنا بحاول أفيدها!
قال بهدوء:
ـ النصيحة بتبقى لما حد يطلبها. أما اللي إنتِ بتعمليه ده… اسمه تقليل من تعب الناس.
اتنهدت وقالت:
ـ يعني أنا بقيت الغلطانة؟ أنا اللي طول عمري بخاف عليك!
ابتسم أشرف وقال:
ـ وأنا مقدر ده، بس أنا مش طفل محتاج حد ينقذه… ودنيا مش في منافسة معاكي.
بصيت لأشرف… وحسيت لأول مرة من سنين إن الحمل اللي فوق قلبي بدأ يخف. مش لأنه وقف في صفي، لكن لأنه أخيرًا شاف اللي كنت بستحمله.
منى سكتت شوية، وبعدين غرست شوكتها في المحشي التاني وقالت بضيق:
ـ خلاص… طالما كلكم حساسين كده، أنا هسكت.
ابتسمت وقولت:
ـ لا… إحنا مش عايزينك تسكتي. إحنا بس عايزينك تكلمي الناس بنفس الطريقة اللي تحبيهم يكلموكي بيها.
بصتلي بحدة، فبصيتلها بثبات وقلت:
ـ قوليلي بصراحة… لو البط وحش أوي كده، ليه طلبتي حتة تانية؟ وليه خلصتي اتنين محشي؟ وليه خدتي رغيف عيش كمان؟
كريم شرق في المية، ونهى ضحكت وهي مخبية وشها، وحتى أشرف ما قدرش يمسك نفسه من الضحك. منى نزلت الشوكة من إيديها وقالت بصوت واطي:
ـ عشان… كنت جعانة.
ابتسمت وقلت:
ـ أهو ده قصدي. مش لازم الأكل يبقى كامل علشان يبقى معمول بحب… ومش لازم أكون كاملة علشان أستحق الاحترام.
الكلام فضل معلق في الهوا. أنا لا عليت صوتي، ولا عايرتها بحاجة، ولا فكرتها بكل اللي عملته فيا قبل كده… ويمكن علشان كده، ولأول مرة، منى ما لقتش رد. بصت بعيد شوية، وبعدين قالت بهدوء:
ـ هي… التورتة جاهزة؟
ضحكت من السؤال وقلت:
ـ أيوه… ميل فوي بالكاسترد.
قالت:
ـ الكريمة معمولة في البيت؟
ـ كلها… وأخدت مني خمس ساعات شغل. حكايات منــال عـلـي
هزت راسها وكأنها بتفكر. دخلت وجبت التورتة، وأشرف حط شمعة فوقها والكل سقف له. محمد باركله على الترقية، ونهى قالت:
ـ أجمل حاجة في البيت ده إن الواحد يحس فيه براحة.
وقف أشرف وقال:
ـ قبل أي حاجة… أنا عايز أشكر مراتي على الليلة دي، وعلى تعبها، وعلى صبرها، وعلى إنها مخلياني كل يوم أحس إن بيتي هو أريح مكان في الدنيا… وبجد، أنا فخور بيها جدًا.
دموعي نزلت غصب عني. لفيت وشي وأنا بقطع التورتة، بصيت لقيت منى مركزة في طبقها. خدت أول لقمة وسكتت شوية، وبعدين رفعت عينها وقالت:
ـ بصراحة… التورتة تحفة.
اتجمدت مكاني. ولأول مرة بصتلي من غير تكبر وقالت بصوت هادي:
ـ أنا… معرفش أتعامل غير بالطريقة دي. دايمًا كنت فاكرة إن لو ما انتقدتش الناس محدش هيسمع كلامي. بس… إنتِ فعلًا تعبتي… وأنا آسفة.
ما كانش مشهد درامي، ولا حد جري حضن حد، ولا كان فيه دموع كتير… لكن شفت أشرف وهو بيتنفس براحة، وفهمت إن كلمة “أنا آسفة” لما تطلع بصدق ممكن تغير سنين كاملة.
ابتسمت وقلت:
ـ شكرًا يا منى… نفتح صفحة جديدة. بس المرة الجاية إنتِ اللي تعمليلنا المايونيز البيتي، عشان نشوف فعلًا بياخد خمس دقايق ولا لأ.
ضحكت منى لأول مرة طول السهرة وقالت:
ـ موافقة… بس بشرط، تعمليلنا التورتة دي تاني.
وفي اللحظة دي… الضحكة طلعت من الكل، ضحكة بجد من القلب… وأخيرًا، بقت السفرة دي شكلها عيلة.
النهاية.