ابني بيقبض

سطر.
وكان مكتوب
وأنا كمان مخبي عن سميحة حقيقة تخص محمود
سميحة رفعت عينيها بسرعة.
حقيقة إيه؟
المحامي سكت.
ومحمود قال لأول مرة بصوت مرتعش
أمي بلاش.
سميحة بصت له.
لأ.
وقفت.
المرة دي هعرف كل حاجة.
المحامي أخد نفس طويل.
وقال
محمود مش ابنك البيولوجي.
سميحة اتجمدت.
ومريم حطت إيدها على بقها.
أما محمود
فغمض عينيه كأنه كان عارف إن اليوم ده لازم ييجي.
سميحة همست
يعني إيه مش ابني؟!
المحامي فتح الورقة.
والدك كتب كل الحقيقة قبل وفاته.
وبدأ يقرأ.
محمود هو ابن أخت سميحة وأنا ربيته على إنه ابني، لأن أخته ماتت وهي بتولده
سميحة رجعت خطوة.
أختي؟!
وفجأة افتكرت.
أختها الصغيرة سامية.
اللي ماتت من سبعة وتلاتين سنة.
والطفل اللي قيل لها وقتها إنه مات بعدها بأيام.
سميحة بصت لمحمود.
محمود كان بيعيط.
ولأول مرة في حياتها، ما قدرتش تقرب منه.
لأن السؤال الوحيد اللي كان بيدور في دماغها
إذا كان محمود مش ابنها
فمين أخفى الحقيقة عنها كل السنين دي؟
وليه أبو محمود انتظر لحد موته عشان يكشفها؟
لكن المفاجأة الأكبر
إن مريم كانت تعرف الإجابة.
وهي اللي كان معاها آخر ورقة في القصة كلها.
ورقة لو ظهرت
هتقلب حياة سميحة ومحمود ومريم والولاد الأربعة والعشرين ساعة الجاية رأسًا على عقب.
سميحة فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
بصت لمحمود، وبعدها للمحامي.
يعني محمود ابن أختي؟
المحامي هز راسه.
أيوه.
محمود نزل عينه في الأرض، وسميحة حسّت إن كل حاجة في حياتها اتقلبت في لحظة.
لكنها افتكرت حاجة.
بصت لمريم وقالت
إنتِ قلتي إن معاكي آخر ورقة هاتيها.
مريم فتحت شنطتها، وطلعت ظرف صغير.
دي كانت معايا من يوم ما لقيت الحقيقة.
سميحة فتحته.
كان جواه خطاب بخط إيد أبو محمود.
سميحة
لو إنتِ بتقري الخطاب ده، يبقى محمود عرف إني كتبت الحقيقة، وحاول يخبيها عنك.
أنا ربيت محمود على إنه ابني، وكنت بحبه فعلًا، لكني خفت عليه من نفسه.
أخته سامية ماتت وهي بتولده، وكنت عارف إنك لو عرفتي إن الطفل عاش، هتتعلقي بيه وتحمليه فوق طاقته.
لكن لما كبر، عرفت إنه بدأ يطمع في الفلوس.
عشان كده كتبت كل أملاكي باسمك.
مش عشان أحرم محمود منها
لكن عشان أضمن إن محدش يقدر ياخد حقك.
ولو وصلت للحظة دي، اسألي مريم.
هي الوحيدة اللي وقفت جنبك من غير ما تعرفي.
سميحة بدأت تبكي.
وبصت لمريم
ليه ما قولتيليش؟
مريم ردت
كنت خايفة لو عرفتي، محمود يأذيكي أو ياخد العيال منك.
سميحة قربت منها وحضنتها.
وأنا ظلمتك.
مريم عيطت.
كنتِ بتشوفيني مهملة وفقيرة وأنا كنت بحاول أوفر تمن علاج أبو العجوز دي، وأحوش أي فلوس أقدر عليها عشان أهرب أنا والولاد من محمود.
سميحة مسحت دموعها.
وتذاكر الأتوبيس؟
مريم ابتسمت وسط دموعها.
كنت ناوية آخد الولاد وأروح القاهرة عند أخويا.
من غير ما تقوليلي؟
كنت فاكرة إنك هتصدقي محمود مش أنا.
سميحة بصت لمحمود.
كنت هصدقك فعلًا لحد ما شوفت الحقيقة.
المحامي جمع المستندات وقال
مدام سميحة، كل الأملاك دي ملكك قانونيًا، والحسابات اللي اتصرف فيها محمود من غير إذنك هنبدأ إجراءات استردادها.
محمود رفع عينه.
أمي
سميحة قاطعته
ما تقوليش أمي.
الكلمة كانت أقسى من أي خناقة.
أنا ربيتك وأنا فاكرة إنك ابني، وفضلت طول عمري أدافع عنك.
وسكتت لحظة.
لكن النهارده عرفت إن الدم مش هو اللي بيخلي الإنسان ابن.
محمود بدأ يعيط.
أنا غلطت.
غلطت سنين يا محمود.
كنت خايف.
من إيه؟
سكت.
من الفقر؟
محمود ما ردش.
ولا من إنك تعيش من غير ما تاخد كل حاجة؟
فضل ساكت.
سميحة هزت راسها.
خلاص.
وبصت للمحامي.
أنا مش عايزة أنتقم منه.
محمود رفع عينه باستغراب.
بس كل جنيه أخده من غير حقي هيرجع.
وبصت لمريم.
وأول حاجة هعملها إني أكتب نص المحل باسمك.
مريم شهقت.
لا يا حماتي، أنا مش عايزة حاجة.
دي مش صدقة.
سميحة مسكت إيدها.
دي تمن السنين اللي وقفتي فيها جنب ولادي وأنا كنت فاكرة إنك بتقصري في حقهم.
وبعدها بصت لمحمود
والولاد مش هيلبسوا هدوم بالة عشان يوفروا فلوسك.
مريم ابتسمت لأول مرة من شهور.
بعد أسبوعين، بدأت الإجراءات القانونية.
واتكشف إن محمود كان بيحوّل مبالغ كبيرة من حسابات أمه لحسابات مرتبطة بشغله، وكان مخبي جزء كبير من ممتلكات والده عنها.
أما مريم، فكان كل اللي أخدته من فلوس زوجها تقريبًا راح في علاج العجوز، ومصاريف المدرسة، وحاجات بسيطة للولاد.
والأهم
إنها ما كانتش بتخونه.
ولا كانت بتسرق.
ولا كانت زوجة مهملة.
كانت بتحاول تحمي نفسها وولادها من رجل كانت فاكرة إنه سندها.
بعد شهور، سميحة نقلت محل الورد لمكان أكبر.
وعلقت على الحائط صورة صغيرة لأولادها الأربعة.
مريم سألتها
الأربعة؟
سميحة ابتسمت.
أيوه.
وأشارت لصورة محمود.
ده ابن أختي.
وبعدين أشارت لمريم والولاد.
ودول ولادي اللي اختارتهم الدنيا ليا.
مريم ضحكت.
ومحمود؟
سميحة سكتت شوية.
هيفضل له مكان في قلبي بس مش هسمح له تاني يبقى صاحب القرار في حياتي.
وفي أول يوم مدرسة بعد كل اللي حصل، ملك نزلت وهي لابسة جاكت جديد.
وقفت قدام المراية وقالت لمامتها
ماما لو البنات قالولي بنت البالة أقول لهم إيه؟
مريم ابتسمت.
وقبل ما ترد، سميحة قالت
قولي لهم إن الهدوم عمرها ما كانت بتحدد قيمة الإنسان.
ملك ضحكت.
طب ولو سألوني مين جدتك؟
سميحة حضنتها وقالت
قولي لهم دي الست اللي اتعلمت متأخر إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفلوس
وسكتت لحظة.
أغلى حاجة إنك تعرف مين وقف جنبك وإنت واقع.
مريم بصت لسميحة، وسميحة بصتلها.
والاتنين ابتسموا.
أما التلات تذاكر الأتوبيس اللي كانت مريم مخبياهم في جيب الجاكيت
ففضلوا معاها.
مش عشان تهرب.
لكن عشان يفضلوا شاهدين على اليوم اللي كانت فيه مستعدة تخسر كل حاجة
قبل ما تعرف إن الحقيقة كانت أقرب لها مما تتخيل.
تمت
صلوا على النبي ﷺ

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *