حصون العاشق ج1 ريتان ويوسف منى السيد

حطت كف إيدها التاني على جبينه بتلقائية تامة: الحمد لله… الحرارة نزلت كتير، كنت بتغلي بالليل وكنت فاكراك هتروح مني.

يوسف اتخشب مكانه. لمسة إيدها الناعمة على جبهته كانت زي تيار كهربا دافي مشي في عروقه كلها. عشرين سنة محدش لمس يوسف الرفاعي كده، من غير مصلحة، من غير خوف، ومن غير ما يمد إيده يدفع تمن الخدمة. يوسف بص لعينين ريتان القريبة منه، صوته كان مبحوح ومتحشرج من التعب: أنا عمري ما سمحت لحد يقرب مني بالشكل ده… إنتي عملتي إيه فيا؟!

ريتان ارتبكت لما استوعبت حركتها، وسحبت إيدها بسرعة ووشها احمر خجل: أنا… أنا معملتش حاجة، ده واجبي الإنساني. أي بني آدم يشوف حد بيموت من السخونية كان هيعمل كدة.

يوسف كرر الكلمة بابتسامة باهتة على شفايفه الناشفة: إنساني؟ إنتي مش عارفة أنا مين يا ريتان؟ كل اللي في القصر ده لو شافوني بقع، مكنش حد هيجرؤ يمد إيده عليا إلا بعد ما يطلب الإذن من عشرين حارس، والكل بيخاف مني حتى في ضعفي… ليه فضلتي هنا؟ وابنك طول الليل في السقعة؟

ريتان قامت من على الكرسي براحة، وعدلت البطانية الصفرا على ابنها اللي بدأ يتمطع، وبعدين بصت ليوسف بابتسامة هادية وبسيطة من غير أي تكلف: أنا مش بشوفك الأستاذ يوسف اللي الناس بتترعب منه، أنا شوفت إنسان تعبان ومحتاج مساعدة. وبعدين… مهما كنت قاسي ومبتضحكش، في الآخر إنت صاحب فضل، وفتحتلي باب بيتك واشتغلت هنا عشان أربي ابني بكرامتي.

سكتت ثواني، ولفت ضهرها تاخد طبق الكمادات وقالت بمرح خفيف عشان تكسر التوتر: وبعدين قولتلك قبل كده، إنت بني آدم برضه… مش روبوت شغال بكهربا عشان متتعبش.

يوسف ضحك، ضحكة خفيفة طالعة من قلبه هزت صدره، وبص لها بذهول: والله شكلك هتبوظي هيبتي في البيت ده.

ريتان وقفت عند الباب، وبصت له من فوق كتفها: الهيبة في القلب يا أستاذ يوسف، مش في الكشرة اللي شايلاها على وشك بقالك سنين. هروح أحضرلك شوربة دافية وليمون، وهبعت نوال تجيبلك الدوا.

خرجت ريتان، ويوسف فضل سارح في أثرها، حاسس إن في حاجة في قلبه اتكسرت… حاجة اسمها الجليد والوحدة.

مرت الأيام بعد الليلة دي، وفيلا يوسف مبقتش زي الأول. الهدوء المقبض اللي كان شبه المقابر بدأ يتبدل. يوسف بقى يتعمد يقعد في ركن الجنينة يشتغل على اللابتوب في الميعاد اللي ريتان بتطلع فيه ابنها “عمر” يلعب على النجيلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *