كيد السلايف ج٢ منى السيد

الكريمة قدام حماتي وقدامكم كلكم، وأنا أدفع الفاتورة كاملة من لحمي ومن دم جمعيتي!
الصالة نزل عليها سكوت رهيب. سكوت مرعب مكنش بيتسمع فيه غير صوت المروحة اللي بتلف! في السقف. عصام عينيه فضلت تروح وتيجي بين الستيكر وبين وش مراته، ووشه بدأ يحمر ويتقلب لغضب أسود. بص لأم مروان وقال بصوت بيترعش من كتر الغيظ الكلام ده صح؟ ها؟ ردي عليا.. الكلام ده صح؟ الفاتورة كانت اتنين وميتين بس؟!
أم مروان اتلجلجت، وعينيها زاغت في كل أركان الشقة، وبدأت تتلعثم بكلام مش مفهوم أصل.. أصل يا عصام.. أنا.. أنا كنت حاسبة حاجات تانية.. كنت حاسبة مواصلات التاكسي.. وحاسبة العيش واللمون.. والراجل.. الراجل كان قايلي سعر تاني وبعدين غيره..
قاطعتها وأنا بقف وبواجهها قدام الكل مواصلات إيه يا أم مروان اللي بألفين جنيه؟! وعيش إيه ولمون إيه اللي تمنهم يجيب عجل؟! إنتي نزلتي فيصل المحل اللي على أول الشارع، وأنا لسه جاية من عنده دلوقتي حالا، وسألت الكاشير برقم الفاتورة، وقالي بالحرف مدفعتش غير اتنين وميتين كاش والراجل نزلها ٧٥ جنيه إكرامية! إنتي خططتي من الصبح إنك تلبسيني العزومة كلها، ولما أنا حسيت بالظلم وقولتلك مش هدفع غير ألف جنيه وده كرم مني لأن نصيبي الحقيقي في الفاتورة ألف ومية، قومتي رميتي الألف في الأرض وقولتيلي اقبليهم على نفسك، وجريتي على إخوات جوزك تعيطي وتتمسكني وتقولي أم هنا بخيلة وظالمة ومبهدلاني!
بصيت لنجلاء اللي كانت فاتحة بقها ومش عارفة تنطق كلمة، ووشها في الأرض من الإحراج ها يا نجلاء؟ لسه شاياني بخيلة وعيني ضيقة على القرش؟ لسه شايفة إني أكلت حق سلفتي وبفرّق بين الإخوات؟ ولا عرفتي دلوقتي مين اللي بياكل على قفا التاني ومين اللي بيعمل نمر ومسرحيات عشان يطلع نفسه ملاك بجيب غيره؟
نجلاء دورت وشها ومقدرتش تحط عينها في عيني، وقالت بصوت واطي ومكسوف أنا.. أنا مكنتش أعرف يا أم هنا.. هي اللي اتصلت وقالتلي الحساب كان أربعة آلاف..
عصام قام وقف فجأة، وطبق الستيكر في إيده ورماه في وش أم مروان، وزعق فيها بصوت رج العمارة فضحتيني! سوّدتي وشي قدام أخويا وقدام إخواتي عشان ألف جنيه؟! بقى بتعملي فينا كده وتفرجي علينا الناس وتكذبي عليا وتقوليلي حسام ومراته واكلين حقي؟! قومي اطلعي قدامي على الشقة فوق.. قومي غوري قدامي ومشوفش وشك خارج من الباب ده لحد ما أعرف هعمل فيكي إيه!
أم مروان قامت تجري على باب الشقة وهي بتعيط بدموع حقيقية المرة دي، دموع الفضيحة والكسرة اللي مفيش بعدها رجوع، ونزلت تجري على السلم، وعصام خرج وراها وهو بيعتذر لحسام بصوت مخنوق حقك عليا يا أخويا.. وحقك عليا إنتي يا أم هنا، راسك فوق راسنا كلنا، وأنا حسابي معاها فوق في بيتي.. متزعلوش مني.
خرج عصام، ونجلاء قامت وقفت ووراها جوزها، وراحت ناحية الباب من غير ما تنطق ولا كلمة، كانت مكسوفة ترفع عينها فيا بعد الكلام اللي قالته الصبح في التليفون. بصيتلها وقولتلها ببرود مع السلامة يا نجلاء.. وابقي سلميلي على حماتي لما تكلميها، وقوليلها إن الفسيخ طلع زبدة فعلاً.. بس كشف اللي في القلوب!
قفلوا الباب وراهم، والصالة رجعت هادية. حسام كان لسه واقف مكانه، باصص على الفلوس اللي كانت على الترابيزة، وباصصلي بنظرة كلها ندم وكسوف. قرب مني، وحط إيده على كتفي وقال بصوت واطي أنا آسف يا أم هنا.. أنا غلطت لما استعجلت وحكمت عليكي وظلمتك عشان أرضيهم على حسابك. حقك عليا، ومكنتش متخيل إن النفوس ممكن توصل لكده.
شلت إيده من على كتفي براحة، وخدت الفلوس اللي على الترابيزة ودخلتها محفظته، وقولتله وأنا باصة في عينيه أنا مش زعلانة من أم مروان يا حسام.. اللي زي أم مروان مكشوفين والدنيا مليانة منهم، الغدر منهم متوقع في أي لحظة. أنا زعلي الحقيقي كان منك إنت.. إنك صدقت فيا الوحشة قبل ما تسمع مني، وإنك هنت عليك تصغرني قدام أهلك عشان ترضي أخوك ومراته. القرش بيروح وبيجي يا حسام، والفسيخ ده كله راح لحاله خلاص، بس الكرامة وموقفك مني هو اللي بيفضل معلم.
سيبته واقف في الصالة ودخلت أوضة الولاد، اتطمنت عليهم وهما نايمين، وغطيت هنا، وقعدت على طرف السرير في الضلمة. حسيت بتقل وانزاح من على صدري، الراحة اللي بتيجي بعد ما الحق يظهر مش بيعادلها أي راحة تانية.
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية، صحيت وعملت فنجان قهوة وقعدت في البلكونة أشربه بهدوء مكنتش حسيته من أسبوع. فتحت محفظتي، وطلعت الألف وميتين جنيه اللي كنت شايلاهم لنصيبي من الغدوة المشؤومة دي.. بصيت للفلوس وابتسمت، وقولت لنفسي الفلوس دي مش هتدخل جيبي تاني، ومش هتروح لأم مروان طبعاً.
نزلت على رجلي لحد الجامع الكبير اللي في آخر الشارع، ودخلت لجنة الزكاة، وحطيت المبلغ كله في الصندوق بنية شكر لله على كشف الحق، وصدقة بنية إن ربنا يصفي النفوس ويحمي بيتي وعيالي من أي غل وخبث.
رجعت البيت، لقيت رسالة مبعوتة على جروب العيلة بتاع الواتساب من نجلاء، كاتبة فيها حمد الله على سلامة أمي، وصلت المطار بالسعودية وبخير وبتسلم عليكم كلكم. محدش جاب سيرة الغدا، ولا حد كتب كلمة عن اللي حصل بالليل، والجروب
كان ساكت بعد الرسالة بساعتين. قفلت الموبايل، وحطيته على الترابيزة، وقومت شمرت كمامي عشان أطبخ لعيالي حلة محشي سخنة تستاهل وقفة المطبخ وهدة الحيل.. أصل وقفة المطبخ وتعب الإيد بألف راحة بال، ولا إن الواحد يشتري راحته بفسيخ يجيب معاه وجع القلب والندامة!

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *