ابني بعتلي رساله ج1حكايات ميرا
كان قاعد بيحتفل بفلوس شركتي.
لكن محمود هز راسه وقال:
— بس يا حاج محمود… الفلوس دي مش أخطر حاجة.
فتح الملف اللي في إيده.
طلع صور تحويلات بنكية.
إيميلات.
فواتير بمبالغ وهمية.
ومستندات عليها توقيع مزور.
توقيعي أنا.
فضلت أقلب في الورق بإيد بتترعش.
لحد ما محمود طلع آخر ورقة.
كانت مختلفة عن كل اللي قبلها.
في أعلى الصفحة كان مكتوب اسم شركتي.
وتحت الاسم مباشرة:
نقل ملكية 51% من أسهم الشركة.
بصيت للورقة، وبعدين بصيت لمحمود.
صوتي خرج بالعافية:
— يعني إيه الكلام ده؟
محمود قرب مني وقال:
— العشا اللي جوه مش احتفال بالحاجة اللي أخدوها منك.
سكت لحظة.
وبعدين أشار ناحية محمد ومراته وحسام.
— دول قاعدين يحتفلوا بالحاجة اللي ناويين ياخدوها منك.
بصيت ناحية ابني من ورا الازاز.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة.
محمد ما كانش ناسي عيد ميلادي.
وما كانش عنده طيارة اتلغت.
هو كان عارف أنا هبقى فين بالظبط…
وعارف إني هقعد لوحدي…
وعشان كده بعتلي الرسالة الكدابة.
كان عايز يتأكد إني بعيد عنهم.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن عيني وقعت عليهم قبل ما يخلصوا خطتهم.
ومحمود قرب مني أكتر وقال:
— لو سمحت، ما تعملش أي حاجة دلوقتي.
بصيتله.
— ليه؟
فتح الملف على آخر صفحة.
وقال بصوت واطي:
— لأن اللي أنا لسه هوريهولك… أخطر من الـ12 مليون جنيه ومن الـ51% دول كلهم.
بصيت في الورقة.
وفي اللحظة دي، لأول مرة في حياتي…
خفت من ابني.
مش عشان كان بيسرق فلوس.
لكن عشان بدأت أفهم إن الموضوع كله كان مترتب من زمان…
وإن عيد ميلادي السبعين ما كانش مجرد مناسبة بالنسبة له.
كان جزء من الخطة.
عيد ميلادي السبعين — الجزء الثاني
بصيت للورقة اللي في إيد محمود، وحسيت إن صوابع إيدي بدأت تبرد.
ـ إيه اللي فيها؟
محمود ما ردش فورًا.
قعد يقلب في الملف لحد ما طلع مجموعة أوراق متدبسة مع بعض، وحطها قدامي.
ـ دي مش مستندات تحويلات ولا عقود.
ـ أمال إيه؟
بص في عيني وقال:
ـ دي مراسلات بين ابنك وحسام البدراوي.
سحبت الورق من إيده بسرعة.
أول صفحة كان فيها إيميل من محمد لحسام.
قريت أول سطر، وبعده وقفت.
كان مكتوب:
«بعد ما يتم نقل الـ51%، والدي مش هيقدر يعترض قانونيًا.»
رفعت عيني لمحمود.
ـ يعني إيه “مش هيقدر يعترض قانونيًا”؟
محمود اتنهد.
ـ اقرا الباقي.
كملت.
الكلام كان عن توقيعي، وعن توكيل، وعن مستندات المفروض إنها تثبت إني وافقت على بيع جزء من أسهمي.
لكن أنا عمري ما وقعت على أي حاجة من دي.
وبين الورق، لقيت نسخة من بطاقة الرقم القومي بتاعتي.
وصورة لتوقيعي.
وصورة لعقد قديم.
سألت:
ـ هما جابوا توقيعي منين؟
محمود بصلي بحزن.
ـ من ملفات الشركة.
ـ وعايزين يعملوا بيه إيه؟
ـ تزوير عقد بيع الأسهم.
سكت.
حسيت إن كل الأصوات حواليّا اختفت.
حتى الموسيقى اللي طالعة من المطعم ما بقيتش سامعها.
ابني كان ناوي ياخد نص الشركة.
بس ليه؟
أنا كنت ناوي أسيبه ياخدها كلها بعد ما أموت.
هو ابني الوحيد.
أنا ما كنتش محتاج أكتب وصية حتى.
كنت دايمًا بقول لنادية قبل ما تموت:
«محمد هيكمل اللي بدأناه.»
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل موتها بشهور، نادية قالتلي مرة:
ـ خلي بالك من محمد يا محمود.
وقتها ضحكت وقلت لها:
ـ أخاف عليه من إيه؟ ده ابني.
ردت:
ـ أنا مش خايفة منه… أنا خايفة عليه.
ما فهمتش كلامها وقتها.
لكن دلوقتي…
الكلمة رجعت في دماغي بشكل مخيف.
بصيت لمحمود.
ـ نادية كانت عارفة حاجة؟
محمود سكت.
وده كان كفاية يخوفني أكتر.
ـ إنت تعرف حاجة عن مراتي؟
هز راسه ببطء.
ـ أعرف حاجة واحدة بس.
ـ إيه؟
ـ قبل ما الست نادية تموت بأسبوع، طلبت مني أجهز تقرير مالي سري.
اتجمدت.
ـ تقرير عن إيه؟
ـ عن تحويلات مالية حصلت قبل وفاتها.
حسيت قلبي وقف لحظة.
ـ تحويلات؟
ـ أيوه.
ـ تخص الشركة؟
محمود بص ناحية القاعة، وبعدين قال:
ـ لأ.
سكت لحظة.
ـ تخص محمد.
ما حسيتش بنفسي وأنا بسأله:
ـ ابني؟
ـ أيوه.
في اللحظة دي، صوت كرسي اتحرك جوه القاعة.
محمود شدني بسرعة بعيد عن الباب.
ـ ما تبصش.
لكن أنا بصيت غصب عني.
محمد كان واقف.
بيتكلم مع حسام.
وبعدين فجأة…
لف ناحية الزجاج.
ناحيتنا.
اتجمدت.
محمود شدني ناحية ممر جانبي، ودخلنا ورا عمود كبير.
فضلنا ساكتين.
ثواني.
ثواني طويلة جدًا.
وبعدين سمعت صوت محمد:
ـ هو بابا جه؟
صوت داليا رد:
ـ مستحيل. هو قال إنه مش هييجي.
محمد:
ـ أنا عارف، بس حاسس إنه قريب.
حسام ضحك وقال:
ـ سيبك منه. الراجل كبير، ومش هيفهم اللي بنعمله.
الجملة دي وجعتني أكتر من كل الورق.
مش عشان قال إني كبير.
لكن عشان قالها بكل ثقة.
كأنهم كانوا عاملين حساب إني مش هفهم.
بعد دقائق، رجعوا يقعدوا.
محمود قرب مني وقال:
ـ لازم نخرج من هنا.
ـ لأ.
بصلي باستغراب.
ـ مش هخرج.
ـ ليه؟
بصيت ناحية ابني.
ـ عايز أعرف آخر حاجة.
محمود هز راسه.
ـ اللي هتعرفه ممكن يغير كل حاجة.
قلت:
ـ كل حاجة اتغيرت بالفعل.
طلع محمود فلاشة صغيرة من جيبه.
ـ دي نسخة من كاميرات الشركة.
ـ كاميرات؟
ـ أيوه.
ـ فيها إيه؟
قال:
ـ اليوم اللي نادية ماتت فيه.
سكت.
كأن حد ضربني على صدري.
ـ إنت بتقول إيه؟
ـ أنا ما قلتش إن موتها كان طبيعي.
ما قدرتش أتنفس.
نادية…
مراتي.
الست اللي عشت معاها 38 سنة.
اللي ماتت قدامي في المستشفى، والدكاترة قالوا إن قلبها وقف فجأة.
أنا كنت مقتنع إنها أزمة قلبية.
حزنت عليها.
بكيت.
دفنتها.
وعشت بعدها ثلاث سنين وأنا بحاول أتأقلم مع غيابها.
لكن محمود كان بيبصلي بطريقة خلتني أخاف أسأله.
ـ يعني إيه “مش طبيعي”؟
ـ مش هقدر أقولك قبل ما تشوف التسجيل.
ـ وريني.
محمود مسك دراعي.
ـ مش هنا.
خرجنا من المطعم من باب جانبي، وركبنا عربيتي.
طول الطريق ما اتكلمناش.
كنت سايق وأنا مش شايف الطريق قدامي.
كل اللي في دماغي سؤال واحد:
هل محمد له علاقة بموت أمه؟
كنت بحاول أرفض الفكرة.
أقول لنفسي إن ابني ممكن يكون طماع.
ممكن يكون كذاب.
ممكن يكون خان ثقتي.
لكن مستحيل يكون…
مستحيل.
وصلنا مكتب محمود.
دخلنا، وقفل الباب ورايا.
شغل الكمبيوتر.
حط الفلاشة.
ظهر تسجيل من كاميرا داخل الشركة.
التاريخ كان قبل وفاة نادية بأربعة أيام.
المكان مكتبها.
كانت قاعدة على مكتبها.
وبعد دقائق دخل محمد.
وقفت الصورة عند اللحظة دي.
بصيت لمحمود.
ـ كمل.
شغل الفيديو.
محمد دخل وقفل الباب.
اتكلم مع أمه.
الصوت كان ضعيف، لكن واضح.
نادية قالت:
ـ مش هسمحلك تعمل كده.
محمد رد بعصبية:
ـ لو ما وافقتيش، أنا هعمله غصب عنك.
قربت من الشاشة.
مش مصدق وداني.
نادية قالت:
ـ دي شركة أبوك وأمك، مش ملكك لوحدك.
محمد:
ـ بابا عمره ما هيفهم حاجة.
ـ وأنا مش هسكت.
ـ يبقى هتندمي.
الفيديو وقف.
بصيت لمحمود.
ـ إيه اللي حصل بعدها؟
قال:
ـ التسجيل ده مش آخر حاجة.
فتح مجلد تاني.
ـ في تسجيل بعدها بيوم.
شغله.
ظهر محمد مرة تانية.
لكن المرة دي…
كان بيتكلم مع شخص تاني.
الشخص كان حسام البدراوي.
سمعت حسام بيقول:
ـ أمك لو فضلت عايشة، الخطة هتتعطل.
محمد رد:
ـ هخليها تسكت.
اتجمدت.
محمود وقف الفيديو.
ما قدرتش أتكلم.
بعد لحظات قلت:
ـ هو قال “هخليها تسكت”؟
ـ أيوه.
ـ وبعدين؟
محمود ما ردش.
ـ محمود… وبعدين؟
قال بصوت خافت:
ـ بعدها بيومين، نادية ماتت.
وقعت على الكرسي.
فضلت باصص قدامي.
كل ذكريات آخر يوم مع نادية بدأت ترجع.
إيديها كانت باردة.
قالتلي إنها تعبانة.
أنا قلتلها ترتاح.
وبعدها…
كل حاجة حصلت بسرعة.
لكن فجأة افتكرت حاجة ما فكرتش فيها قبل كده.
في آخر ليلة قبل دخولها المستشفى، نادية قالتلي:
ـ محمود… لو حصل لي حاجة، ما تثقش في محمد.
وقتها افتكرت إنها بتتكلم من التعب.
ضحكت.
وقلتلها:
ـ نامي يا نادية، إنتي بس مرهقة.
لكنها مسكت إيدي وقالت:
ـ وعدني.
وأنا وعدتها.
بس وعدتها إني أحافظ على محمد.
ما وعدتهاش إني أشك فيه.
غمضت عيني.
وبعد دقيقة فتحتها.
ـ محمود.
ـ أيوه.
ـ ليه استنيت تلات سنين؟
قال:
ـ عشان ما كانش عندي دليل كفاية.
ـ ودلوقتي؟
ـ دلوقتي عندنا تحويلات، وتزوير، وتسجيلات، وشهود.
سكت.
وبعدين سألته:
ـ إنت ليه ساعدتني؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
ـ عشان الست نادية كانت سبب في إن ولادي يدخلوا الجامعة.
ـ مش فاهم.
ـ من عشر سنين، أنا كنت هبيع بيتي عشان أعالج ابني. هي عرفت وساعدتني من غير ما تقولك.
بصيت للأرض.
حتى بعد موتها…
كانت بتعمل الخير من ورايا.
وبعدين محمود قال:
ـ بس في حاجة لسه ما وريتهالكش.
رفعت عيني.
ـ إيه؟
طلع ظرف بني قديم.
ـ ده اتساب عندي قبل وفاة نادية بأيام.
ـ منها؟
ـ أيوه.
مدهولي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه ورقة واحدة.
خط نادية.
عرفته من أول كلمة.
«محمود، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا ما قدرتش أوقفهم.»
شهقت.
كملت القراءة.
«خلي بالك من محمود ومحمد… لأن الخطر مش جاي من برا الشركة بس.»
وقفت.
قريت السطر تاني.
وبعدين تالت مرة.
الخطر مش جاي من برا الشركة بس.
كان فيه شخص تالت.
شخص من داخل الشركة.
شخص نادية كانت عارفة اسمه.
وفي آخر الورقة، كتبت:
«الشخص ده هو الوحيد اللي عنده المفتاح للحقيقة كلها.»
وتحتها…
اسم واحد.
رفعت عيني لمحمود.
وقلت:
ـ مين الشخص ده؟
محمود ما ردش.
بس بصلي بنظرة خلتني أعرف إن الاسم اللي مكتوب…
هيقلب كل اللي أنا فاكره عن ابني، وعن مراتي، وعن الشركة…
لأن الاسم كان:
«داليا.»
وضّح صلة محمود بمحمد
اربط داليا بالأدلة السابقة
خفّف تكرار الجمل القصيرة