رد الجميل ج1

شروق خالد

ابتسمت الحاجة أمينة ابتسامة خفيفة وقاسية في نفس الوقت، وهي تمسح ما تبقى من آثار الدماء على وجهها بقطعة قماش، وقالت بصوت واثق:— دا بالضبط السبب اللي خلاني أدخل بنفسي وبشخصية ست غلبانة يا حضرة المأمور… التقارير المكتوبة على المكاتب مش بتبين الحقيقة.

أنا شفت بعيني اللي المسجونات المستضعفات بيشوفوه كل يوم، وشفت الفساد والإهمال اللي سايب أشكال زي “الشفُرة” تتحكم في أرواح الناس جوه. في خلال ساعات قليلة، كانت لجنة رفيعة المستوى من الوزارة قد وصلت إلى السجن بناءً على اتصالات الحاجة أمينة.

بدأ التحقيق فوراً، وتم تفريغ كاميرات المراقبة، وفتح ملفات التجاوزات المالية والإدارية داخل السجن. لم تكتفِ الحاجة أمينة بما حدث، بل أصرت على مقابلة السجينات اللاتي شربن من نفس الكأس. عادت إلى الساحة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصفتها الرسمية، وجمعت السجينات وقالت لهن بصوت جهوري هز أركان المكان:— القسوة والبلطجة اللي كانت حارماكم من حقوقكم انتهت.

السجن هنا لتأديب والعقاب بالقانون، مش لإهانة كرامة البني آدم. أي واحدة عندها مظلمة أو تعرضت لابتزاز، مكتب اللجنة مفتوح لها من دلوقت. تغيرت معالم السجن بالكامل منذ ذلك اليوم. تم عزل الحراس المتواطئين، ونقل القيادات المقصرة، وأعيد ترتيب الأوضاع داخل العنبر ليخضع الجميع لسيادة القانون.

أما “الشفُرة”، فبقيت في زنزانتها الانفرادية معزولة عن الجميع، تعيش كابوساً يومياً كلما تذكرت اللحظة التي استقوت فيها على امرأة مسنة، لتكتشف أن تلك المرأة كانت هي النهاية المحتومة لسطوتها وبداية لعدالة لم تكن تتوقعها أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *