اشتريت مدرسه خاصه
اشتريت مدرسة خاصة، وأول يوم ليا فيها شفت 3 طلبة محاصرين ولد عنده 9 سنين.
واحد منهم قال له بسخرية
أمك بتنضف حمامات المدرسة هنا إنت إيه اللي جابك تدرس معانا؟
كنت لسه هتدخل، لكن ظهرت واحدة من العاملات ودافعت عنه.
وأول ما بصيت في وشها اتجمدت مكاني.
عشر سنين كاملة ما شفتهاش.
والأغرب من كده إن سن الولد خلاني أطلع موبايلي فورًا.
الجزء الأول
أمك بتنضف حمامات المدرسة إنت مش من مستوانا عشان تدرس هنا!
أحمد السيوفي وقف مكانه أول ما سمع الجملة دي.
كان يوم الاتنين الصبح، ومحدش في المدرسة كان يعرف إن الراجل اللي واقف في آخر الطرقة، لابس بدلة غامقة وبيبص حواليه بهدوء، هو المالك الجديد لمدرسة النخبة الدولية في القاهرة.
أحمد كان شاري المدرسة من تلات أيام بس.
ومع إنه كان يقدر يدخل وسط استقبال كبير، ومديرين وموظفين وكاميرات وتصوير، إلا إنه اختار يعمل العكس تمامًا.
ركن عربيته بعيد عن المدرسة، ودخل لوحده.
كان عايز يشوف المدرسة على حقيقتها
من غير ما حد يعرف هو مين، ولا يلمّع له الصورة.
لكن أول حاجة شافها كانت منظر خلّاه يقف مكانه.
3 طلبة أكبر سنًا، محاوطين ولد صغير واضح إنه ما يكملش 9 سنين.
الولد كان لابس نفس الزي المدرسي، بس الجاكيت بتاعه كان قديم شوية، ومقاسه مش مظبوط عليه.
واحد من الطلبة ضحك وقال
إيه يا عم؟ أمك دخلتك المدرسة عشان هي بتمسح السلم هنا؟
التاني ضحك
أصلها لقَطتلك واسطة ولا إيه؟
والتالت قرب منه وقال
إنت فاكر نفسك زينا عشان لابس نفس الزي؟
الولد كان ماسك شنطته بإيديه الاتنين، وضاغط عليها جامد، لكنه ما ردش.
أحمد كان لسه هيتدخل، وفجأة سمع صوت واحدة جاية بسرعة من آخر الطرقة
ابعدوا عنه!
ست في أوائل التلاتينات ظهرت قدامهم، لابسة يونيفورم العاملين، وشعرها ملموم بسرعة، وفي إيدها جردل.
حطت الجردل على الأرض ووقفت قدام الولد مباشرة.
حد فيكم يلمس ابني تاني وأنا هعرفه مقامه كويس.
واحد من الطلبة رد بتحدي
إنتِ مين أصلًا عشان تكلمينا بالطريقة دي؟
بصت له بثبات وقالت
أنا أمه. وده كفاية جدًا.
إحنا ولاد ناس كبيرة.
ابتسمت بسخرية
وأنا مش شايفة في الكلام ده أي سبب يخليكم تهينوا طفل.
وبعدين بصت للتلاتة واحد واحد.
فلوس أبوكم ولا اسم عيلتكم مش بيدّوكم الحق إنكم تذلّوا حد. يلا كل واحد على فصله بدل ما أطلب المدرس ييجي ياخدكم.
الطلبة اتوتروا، ولأول مرة حسوا إن الموضوع ممكن يكبر.
وبعد كام ثانية، مشيوا وهم بيبصوا وراهم.
الست استنت لحد ما اختفوا، وبعدها ركعت قدام الولد.
بصلي يا مالك.
الولد رفع عينه لها.
إنت عملت حاجة غلط؟
هز راسه بالنفي.
طب ليه ساكت؟
عشان هما بيقولوا إني فقير.
مسحت على شعره وقالت بهدوء
وإيه يعني؟ الفقر مش عيب يا حبيبي. العيب إن الواحد يجرح حد عشان يحس إنه أحسن منه.
مالك هز راسه.
حاضر يا ماما.
ابتسمت له.
يلا على فصلك، ومتتأخرش.
الولد جري ناحية فصله.
الست قامت، ومسكت الجردل من تاني.
وفي اللحظة دي، أحمد أخد خطوة ناحيتها.
هي لفت وشها.
وأول ما عينه جت في عينها
اتجمد.
وشها اتغير.
وهو كمان ما عرفش ينطق.
ثواني طويلة عدّت من غير ما أي واحد فيهم يقول كلمة.
عشر سنين.
عشر سنين كاملة ما شافش وشها.
بس مستحيل يكون نسيها.
نادية؟
الست بصت له بهدوء غريب.
أحمد السيوفي.
صوتها كان ثابت.
ولا فيه دهشة، ولا فرحة، ولا حتى غضب واضح.
وده كان أغرب حاجة.
أحمد قال بسرعة
أنا سمعت إن المدرسة اتباعت.
ردت
عرفت.
سكت لحظة، وبعدين سألها
وإنتِ شغالة هنا؟
آه.
بص ناحية المكان اللي الولد اختفى فيه.
وبعدين رجع بصلها.
الولد ده عنده كام سنة؟
نادية سكتت.
كانت فاهمة السؤال الحقيقي اللي ورا السؤال.
تسعة.
أحمد حس إن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
تسعة.
عشر سنين من آخر مرة شاف نادية.
وتسع سنين بالضبط على سن الولد.
بص لها وكأنه بيحاول يقرأ أي إجابة في وشها.
نادية
قاطعت كلامه
مش هنا.
بس أنا محتاج أفهم
مش هنا يا أحمد.
مسكت الجردل ولفت عشان تمشي.
لكنه ناداها
استني!
وقفت من غير ما تبص له.
لو كنتِ عايزة تقوليلي حاجة
ردت بهدوء
كان زمانها اتقالت من زمان.
ومشيت.
أحمد فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي حصل.
بعد حوالي ساعة، كان قاعد في مكتب المدير.
طلب ملف الموظفين اللي اشتغلوا في المدرسة حديثًا.
قلب في الورق بسرعة، لحد ما لقى الاسم.
نادية عبد الرحمن.
السن 31 سنة.
الوظيفة عاملة خدمات.
الحالة الاجتماعية مطلقة.
المؤهل ليسانس آداب قسم علم نفس.
أحمد وقف عند السطر ده طويلًا.
نادية خريجة علم نفس؟
إزاي واحدة معاها مؤهل زي ده انتهى بيها الحال إنها تشتغل في تنظيف المدرسة؟
كمّل قراءة.
نادية أم لطفل واحد.
وبسبب ظروفها المادية، قبلت تشتغل في المدرسة مقابل مرتب بسيط، مع الاستفادة من منحة تعليمية لأبناء العاملين.
أحمد قلب الصفحة.
وفجأة
عينيه وقعت على الاسم التاني.
مالك نادية عبد الرحمن.
السن 9 سنين.
الصف الثالث الابتدائي.
فضل يبص للاسم كأنه مستني الورق نفسه ينكر اللي قدامه.
قفل الملف.
وبعدها فتحه تاني.
قرأ الاسم مرة.
واتنين.
وتلاتة.
نفس السن.
نفس التوقيت.
نفس الست.
الولد اللي وقف قدامه من شوية
ممكن يكون ابنه.
بل غالبًا هو ابنه.
أحمد قام من مكانه، وأول حاجة عملها إنه طلب من السكرتيرة تنادي نادية مكتبه.
بعد حوالي عشر دقايق، خبطت على الباب ودخلت.
وقفت قدام مكتبه.
طلبتني؟
أحمد أشار للكرسي.
اقعدي.
قعدت من غير كلمة.
كان واضح إنه متوتر، وهي كانت هادية بشكل غريب.
أحمد أخد نفس طويل.
أنا مش هفصلك.
رفعت حاجبها.
كويس.
ومش عشان أنا صاحب المدرسة هحاول أضغط عليكِ.
أتمنى.
سكت شوية.
وبعدين قال
بس عايز أسألك سؤال وعايز إجابة صريحة.
نادية بصت له في عينه.
اسأل.
أحمد اتردد ثواني.
وبعدين قال
مالك ابني؟
الغرفة كلها سكتت.
نادية ما اتحركتش.
ولا حتى رمشت.
وبعد لحظات، قالت بمنتهى الهدوء
آه.
كلمة واحدة.
لكنها كانت كفاية إنها تهد كل حاجة جواه.
أحمد رجع بضهره على الكرسي.
إنتِ إنتِ كنتِ عارفة؟
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
طبعًا كنت عارفة.
طب ليه ما قولتيليش؟
المرة دي بصت له نظرة مختلفة.
نظرة خلت أحمد نفسه يندم إنه سأل.
بجد بتسألني ليه؟
أحمد سكت.
نادية قامت من مكانها.
بعد اللي عملته فيا جاي دلوقتي تسألني ليه ما قلتلكش؟
أنا كنت فاكر إنك
فاكر إيه يا أحمد؟
ما عرفش يرد.
قالت
فاكر إني اختفيت من حياتك وخلاص؟
وبصت له في عينه.
إنت اللي اخترت وقتها تمشي.
أحمد حاول يتكلم
الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
قاطعت كلامه
مش مهم دلوقتي.
اتجهت ناحية الباب.
نادية
وقفت.
أنا عايز أعرفه.
ردت من غير ما تلتفت
هتعرفه.
أحمد ارتاح للحظة.
لكنها أكملت
بس مش بالطريقة اللي في دماغك.
لفت وبصت له.
مش هتدخل عليه بكرة وتقوله أنا أبوك، وتتوقع إن التسع سنين اللي فاتوا يتشالوا من الذاكرة في دقيقة.
أحمد قال بصوت منخفض
أنا مش عايز أحرمه مني تاني.
ردت
يبقى متبدأش تفكر في نفسك.
سكت.
وبعدين قالت
فكر فيه هو.
فتحت الباب.
وقبل ما تخرج، بصت له للمرة الأخيرة.
لأن أنا وإنت لسه بينا حساب قديم ما اتقفلش.
وخرجت.
أحمد فضل لوحده.
قدامه ملف صغير عليه اسم طفل عمره تسع سنين.
طفل بيحب الحساب، وبيكره حصة الألعاب، وبيفضل يقعد لوحده وقت الفسحة.
طفل عاش عمره كله تقريبًا من غير ما يعرف مين أبوه.
والأسوأ
إن أحمد بدأ يحس إن قصة اختفائه من حياة نادية من عشر سنين مش هي القصة الكاملة.
لأن فيه حاجة نادية مخبياها عنه.
حاجة لو عرفها
ممكن تغيّر كل حاجة.
والسؤال الحقيقي