هدايا اهلي

المقدمة
​كنت لسة مخسورة شغلي طازة، لما جوزي بكل برود قالها في وشي: “أهلك مالهمش هدايا رأس السنة السنة دي”، وبعدها نزل صرف 2,300 دولار على أهله ودلعهم على الآخر. بلعت غضبي وسكت خالص. يوم 2 يناير، ساق عربيتو وراح بيت أهلي وهو فاكر إنه هينتصر عليا نصره السهلة المعتادة. بس أول ما داس فرامل ودخل مدخل البيت، وشه جاب ألوان وعرق. كان واقف جنب أوبيا حد عمره ما اتوقع يشوفه هناك… وفي اللحظة دي، فهم جوزي إني عمري ما كنت ضعيفة ولا مكسورة الجناح.
​اليوم اللي اتسرحت فيه من شغلي، جوزي حتى متكلفش يسألني: “أنتِ كويسة؟”. وقف قدامي في المطبخ وقال بثبات: “أهلك مالهمش هدايا رأس السنة السنة دي”، وكأنه بيلغي اشتراك في باقة نت.
​بصيت لـ “حسام” بذهول، وأنا لسة بالبلوفر الرصاصي اللي كنت لابساه لما شؤون الموظفين نهوا خدمتي بعد 8 سنين شغل في إدارة المراجعة والالتزام بشركة كبيرة على ميتينج أونلاين.
​”إيه؟”
​”اللي سمعتيه.” وشفط شفطة من فنجان القهوة. “الفلوس بقت زنقة دلوقتي، ولازم نعرف أولوياتنا.”
​بعدها بساعتين، جالي إشعار سحب على كارت البنك المشترك بينا: 2300 دولار في محل إلكترونيات شهير في المهندسين.
​رجع حسام البيت ومحمل بأكياس وكراتين:
تابلت لأمه، سماعات عازلة للضوضاء لأخوه، جهاز ألعاب جيل جديد لابن أخوه، وساعة ماركة غالية لأبوه.
​وقفت في الطرقة ماسكة شنطة الطلبات.
“مش كنت بتقول الفلوس زنقة؟”
​نهز كتافه بلامبالاة: “أهلي على الأقل بيقدروا النعمة.”
​الجملة نزلت عليا أتقل من خبر رفضي من الشغل. افتكرت كل عيد ميلاد عملته أمي علشانه، كل أكلة سمك عملهاله أبويا في إسماعيلية، وكل مرة وقفوا في ضهره لما كنت بشتكيلهم منه.
​أهلي يعاملوه زي ابنهم بقالهم 6 سنين؛ أبويا ساعده يوضب الرووف بتاع شقتنا، وأمي قعدت جنبه في المستشفى بعد عمليتو لما كنت أنا في مأمورية شغل في الإسكندرية. كل سنة كانوا بيجيبوله هدية قيمة.
​وكان رد حسام ليهم هو القلة والتحقير.
​لما سألته بغضب لو كان بيتكلم بجد، بوز بقه وقال:
“يا إيمان، أنتِ بقيتي عاطلة، فبلاش تديني دروس في المصاريف.”
​بلعت الإهانة.. مش ضعف مني، بس عشان حسام نسي طبيعة شغلي إيه.
أنا بقالي 8 سنين شغلي الشاغل أفتش على الاختلاسات، وأتتبع الأموال المستخبية، وأراجع عقود الموردين، وأقفش القشور الصغيرة اللي الأغبية بيفتكروا إن محدش هيلحظها.
​بالليل وهو نايم في سابع نومة، فتحت الحسابات والشفافيات المالية بتاعتنا.
لقيت 3 تحويلات طالعة من القرض العقاري لشقتنا لحساب معرفوش.
وبعدين لقيت مدفوعات رايحة لشركة اسمها “نورث ستار للاستشارات”.
​دي شركة حسام..
بس المفاجأة إن الشركة دي مكانتش تابعة لشغله، دي كانت شركة تأسيس جديد من 4 شهور.
وباسم مين؟ باسم أخوه “كريم”.
​على أذان الفجر، كنت نسخت كل كشف حساب، وعقد، وتحويل مالي، وحطيتهم في فايل مشفر بكلمة سر.
​في يوم العيد، شقتنا كانت مليانة ببيت حمايا، بيهزروا وبيفتحوا الهدايا الغالية، وأمه بتضحك وتتطاول على “إجازتي الصغيرة من الشغل”.
حسام باس خدها وبصلي بابتسامة متكبرة وقال بصوت عالٍ:
“بكرة تقومي منها.. بس على مهلك!”
​ابتسمتله..
وفي اللحظة دي تليفوني اهتز.
كان أبويا.
​طلعت البلكونة أرد: “أيوة يا بابا؟”
قاللي: “يا إيمان، الشخص اللي طلبتِ مني أكلمه وصل عندي هنا.”
​بصيت من الإزاز على حسام وهو بيرفع كاس العصير وأهله بيسقفوله.
قلت لأبويا: “تمام قوي، قوله يوم 2 يناير يناسبنا جداً…”
​..
الجزء التاني
​في الأسبوع اللي بعده، حسام افتكر سكوتي ده استسلام مني.
ابتدى يحط قوانين في البيت:
مفيش دليفري، مفيش مشتريات مالهاش لازمة، مفيش هدايا لأهلي. وطلب مني ألغي اشتراك الجيم بتاعي وأركز في شغل البيت لحد ما ألاقي شغل.
وفي نفس الوقت، حجز ويك إند تزلج في لبنان لأخوه كريم.
​لما واجهته بإيميل الحجز، ضحك وقال:
“دي علاقات شغل يا إيمان.”
“مع كريم أخوك؟”
“كريم يعرف ناس مهمين.”
بصراحة، كنت شبه معجبة بثقته في نفسه دي.
شبه يعني.
​اللي حسام مكنش يعرفه هو إن شركة “نورث ستار للاستشارات” دي دخلها 86 ألف دولار تحت بند “رسوم استراتيجية” من الشركة اللي هو شغال فيها خلال الست شهور اللي فاتوا.
واللي مكنش يعرفه كمان، هو إني عارفة كويس طريقة اعتماد الموردين في شركته.
​مرة زمان، حسام طلب مني أراجع سياسة المشتريات اللي شركتهم كانت بتعدلها. وكنت فاكرة القاعدة كويس: أي مورد ليه صلة قرابة بأي موظف لازم يتعمل عنه إقرار رسمي ويتوافق عليه من الشؤون القانونية.
ومكنش فيه أي إقرار.
واللي أسوأ من كده…
في دفعتين اتحولوا لـ”نورث ستار” خرجوا من ميزانيات مشاريع حسام هو اللي ماسكها شخصياً.
​كلمت زميلي القديم “مراد النجار”، محاسب قانوني ومراجع حسابات اشتغل معايا في تلات قضايا اختلاس داخلي قبل كده.
مطلبتش منه يفتش في شركة حسام.
دي كانت هتبقى خطوة غلط.
أنا بس طلبت منه يراجع أوراق بيتنا المادية والسجلات الضريبية الرسمية اللي أنا جبتها.
​بعد ساعتين، مراد كلمني:
“يا إيمان، جوزك مش بس بيلعب في فلوس البيت.”
“عارفة.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *