بصمه بالاكراه ج1
منى السيد
لمحة نيوز
الشاشة، ودس التليفون في جيب مريلة المطبخ اللي كنت لابساها، وخلال خمس ثواني وشه اتقلب 180 درجة ومثل دور الزوج المنهار
حبيبتي! فوقي يا نور عيني! متسبنيش ونبي!
وفوزية فتحت الباب وهي بتولول وتلطم على وشها بتمثيل رخيص.
لما المسعفين دخلوا وشالوني على النقالة، لمحت كارت واقع من جيب بدلة حازم على الأرض شاهيناز عز الدين للأجهزة والمستلزمات الطبية.
في اللحظة دي.. وأنا طالعة في نقالة الإسعاف بين الحياة والموت، فهمت حاجة واحدة
الإسعاف مكنش جاي بس عشان ينقذ بنتي من بين إيديهم..
الإسعاف ده كان طوق نجاة ربنا باعتهولي، عشان أعيش، وأردلهم الصاع صاعين، وأسوّد عيشتهم واحد واحد!
طول الطريق في عربية الإسعاف، سارينة الإنذار كانت بتصرخ كأنها بتصرخ بالوجع اللي جوايا. الأكسجين محطوط على وشي، والمسعف بيحاول يثبت الكانيولا في إيدي اللي كانت بتترعش من البرد والرعب.
كنت سامعة نبضات بنتي على الجهاز.. سريعة ومكتومة، كأنها بتستغيث وتقولي اتمسكي بيا يا ماما. حازم كان راكب قدام جنب السواق، ووشه في المراية باين فيه التوتر، مش عليا ولا على بنته، لأ.. عينه كانت رايحة جاية على تليفونه، بيطمن إن الفلوس وصلت للست هانم بتاعته، وإن الرسائل ممسوحة ومفيش أي أثر لجريمته.
أول ما نقالة الإسعاف دخلت طوارئ مستشفى النساء والتوليد الحكومي، الدنيا اتقلبت حالة ولادة متعسرة، انفصال جزئي في المشيمة، جهزوا العمليات حالاً لقيصرية طارئة!
حازم جه يمثل دور الزوج المحروق قلبه قدام الدكاترة والتمريض، مسك إيدي وعينه بتلمع بدموع تماسيح رخيصة حبيبتي متخافيش.. قوميلي أنتي والبنت بالسلامة، الدنيا ملهاش طعم من غيرك!
بصيت في عينه وأنا بنهج، ولساني تقيل من البنج اللي بدأ يسري في عروقي، ضغطت على إيده ضغطة خفيفة ومردتش بكلمة.. بس نظرتي كانت كافية تقوله أنا شوفتك. وشه جاب ألوان وسحب إيده بسرعة كأنه لمس جمرة نار.
دخلت العمليات، والستاير الخضرا اتحطت قدامي.. صوت الدكاترة وأجهزة النبض، وبعد نص ساعة من الرعب، سمعت صوت صرخة ضعيفة.. صرخة شقت قلبي وخلت دموعي تنزل من غير حس. مبروك، بنوتة زي القمر.. بس لازم تدخل الحضانة كام يوم عشان نفسها سريع ومية الجنين كانت ناقصة.
غمضت عيني وأنا بقول في سري الحمد لله.. بنتي عايشة، والحي باقيله حق.
خرجت على أوضة الملاحظة وتاني يوم الصبح اتنقلت أوضة عادية. حازم مكنش موجود؛ سابني وراح بحجة إنه بيجيب طلبات من البيت وبيطمن على أمه. أما فوزية، فشرفت العصر، داخلة ولابسة عبايتها الشيفون ودهبها، وماشية تتبختر في الطرقة كأنها جاية تتفرج على مسرحية، ومعاها قريبتها عشان تكمل البرستيج قدام الناس.
أول ما دخلت، رمت كيس جوافة دبلانة على الكومودينو وقالت ببرود حمد الله على السلامة يا ختي.. شوفتي بقى إنك كبرتي الموضوع؟ ولادة قيصرية زي كل الستات، مكنش له لزوم الفضايح وسارينة الإسعاف اللي لمت علينا التجمع كله، والناس فكرونا قاتلين قتيل في وقفة العيد!
بصيتلها من تحت لفوق، وكنت لسة تعبانة والخرطوم في إيدي، بس صوتي طلع هادي، هدوء يسبق العاصفة والمهم.. المعازيم انبسطوا في العزومة يا حماتي؟ كلوا الرقاق والجلاش؟
فوزية بوزت وشها وقالت بغل معازيم إيه بقى! العزومة باظت واللحمة نشفت بسببك! الناس اتصلوا يباركوا بالعيد، اضطريت أقولهم إنك اتمارضتي وجاتلك طلقة كدابة، ومحدش جه.. شفتي كسرة النفس اللي حطيتي ابني فيها؟
سكتّ، ومردتش.. كنت محتاجة أجمع طاقتي لحاجة تانية خالص. أول ما فوزية خرجت ترغي في التليفون في الطرقة، مديت إيدي بالعافية وفتحت درج الكومودينو، كان فيه تليفوني اللي الممرضة حطتهولي مع شنطة هدومي.
أول حاجة عملتها، فتحت تطبيق البنك. الرصيد 14250 جنيه. من أصل 2 مليون و ألف جنيه! كشف الحساب مكتوب فيه بوضوح تحويل بنكي لحظي لحساب شاهيناز عز الدين الغرض دفعة تعاقد مستلزمات.
دمي فار، بس مكنش وقت عياط ولا نواح.. البكا للضعاف، وأنا بنت الورشة اللي ربتني مكن الخياطة والحديد والتعامل مع حيتان السوق في المناصرة.
فتحت تليفوني التاني.. تليفون صغير قديم كنت شايلاه في شنطة المستشفى للطوارئ، ومسجل عليه أرقام الصنايعية بتوعي. كلمت المعلم بيومي، كبير الأسطوات في ورشتي وراجل عجوز كان صاحب أبويا الله يرحمه وبيعتبرني زي بنته.
ألو، أيوة يا معلم بيومي.. ست البنات! ألف حمد الله على سلامتك، الواد صابر قال لي إنك ولدتي.. إيه الأخبار، أنتي كويسة؟ بيومي.. اسمعني كويس، ومتقاطعنيش. الورشة مفتوحة؟ مقفولة عشان العيد يا بنتي، بس أنا قاعد في القهوة اللي قصادها، خير فيه إيه؟ عايزاك تروح حالا على الورشة، تاخد دفتر الشيكات اللي في الخزنة الحديد، وعقود التوريد بتاعة مطاعم الشيخ زايد، وتغير كالون الباب البراني وباب المكتب، ومتسلمش مفتاح لمخلوق، حتى لو حازم جه وصرخ وقالكم إنه جوزي وهيطلب الشرطة.. فاهم يا بيومي؟ فاهم يا بنتي ومن غير ما تسألي.. بس قوليلي في إيه؟ المحروس عمل معاكي حاجة؟ حازم سرقني يا بيومي.. سرق شقا الورشة ومقدم المخزن وراح يفتحه مع واحدة تانية. وحياة تربة أبوكي الغالي ما هيطول منها مليم، ولا هيلمس مسمار في المناصرة طول ما أنا على وش الدنيا! ارتاحي أنتي بس وبصي لصحتك، والرجالة هنا في ضهرك.
قفلت مع بيومي، وحسيت إن ضهري اتسند شوية، بس المعركة الكبيرة مكنتش في الورشة.. المعركة كانت إزاي أرجع حقي قانونيًا من غير ما يقدروا