تاليا كانت طول عمرها البنت الشاطرة اللي مفيش دكتور في الجامعة يقدر يمسك عليها غلطة، من أولى جامعة وهي الأولى على دفعتها في كلية الإعلام، الكل بيحبها عشان جدعة وبتساعد أي حد، وصحابها المقربين حنين ورنا دايما معاها في كل حاجة، حنين الهادية اللي بتوزن الكلام قبل ما تقوله، ورنا بقى المجنونة اللي لسانها سابق عقلها بس قلبها أبيض زي اللبن، وكانوا التلاتة معروفين في الجامعة إنهم مبيسبوش بعض أبدا، ياكلوا مع بعض ويذاكروا مع بعض ويخرجوا مع بعض. السنة دي بقى دخل عليهم دكتور جديد اسمه مالك، دكتور مالك السيوفي، الراجل ده كان أسطورة في الجامعة، لسه في أوائل التلاتينات واخد الدكتوراه من برا وراجع ماسك أهم مادتين في القسم، بس مشهور بقسوته اللي ملهاش حدود، مفيش حد بياخد معاه تقدير بسهولة، وكلمته واحدة ومبيحبش حد يعارضه، الطلبة مسمينه من وراه دكتور العناد عشان عنيد بطريقة تخوف، وبيقولوا إن اللي بيدخل معاه في عناد بيخسر مستقبله. أول محاضرة لتاليا معاه كانت هي الشرارة، هو دخل المدرج متأخر عشر دقايق ولابس بدلة سودا ونضارة شمس حتى وهو جوه، شكله يشد أي بنت بس هيبته تخلي الواحد يبلع لسانه، بدأ يشرح بنبرة كلها غرور وكأنه بيقول أنا هنا محدش يتنفس، تاليا كانت مركزة جدا وبتكتب وراه لحد ما قال معلومة غلط، معلومة قديمة اتلغت من سنتين وهي كانت قارية البحث الجديد بتاعها، رفعت إيدها بكل أدب وقالتله يا دكتور بعد إذنك المعلومة دي اتعدلت في آخر مؤتمر صحفي عالمي ونزل بيها تقرير جديد. المدرج كله سكت، كأن حد رمى قنبلة، مالك شال النضارة وبصلها بصة طويلة أوي، عينه كانت بتلمع بحاجة غريبة بين الإعجاب والغضب، سألها انتي اسمك إيه، قالتله تاليا، قالها طيب يا تاليا شكلك بتحبي تظهري نفسك كتير، بس عندي في المحاضرة اللي أنا أقوله هو الصح حتى لو غلط، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل، تاليا وشها احمر من الإحراج بس عنادها خلاها ترد وتقوله أنا مش بظهر نفسي يا دكتور أنا بقول الصح وده واجبي كطالبة متفوقة وبحترم العلم، هو ابتسم ابتسامة باردة وقالها هنشوف التفوق ده هيوديكي لفين يا تاليا. من اليوم ده وبدأت الحرب الباردة بينهم، كل محاضرة لازم يحرجها بسؤال صعب جدا برا المنهج وهي بعنادها ترد وتجاوب صح، كل مرة كانت بتحرجه أكتر قدام الطلبة وهو جواه إعجاب بيزيد بيها، عمره ما شاف بنت في قوة شخصيتها، كل البنات بتحاول تتقرب منه عشان درجات أو عشان شكله، إلا هي بتعامله كأنه عدوها، كان بيقعد في مكتبه بعد المحاضرة يفتكر طريقتها وهي بترد وبيضحك لوحده، ويقول لنفسه البت دي مختلفة، عنيدة بس عنادها ليه طعم تاني. حنين كانت دايما تقولها يا تاليا اهدي بقى انتي بتعندي مع مين ده ممكن يسقطك بجد ده دكتور واصل، ورنا تقولها لا برافو عليكي اديله على دماغه هو فاكر نفسه مين يعني عشان شكله حلو، تاليا كانت بتقولهم أنا مش هسكت عن حقي لو هعيد السنة، أنا مبحبش الظلم ولا بحب حد يكسرني، وكان في ولدين في دفعتهم مالك صاحبهم أوي، أدهم وريان، أدهم كان بيحب حنين من أولى جامعة بس مش عارف يقولها عشان خجول، وريان كان صاحب تاليا المقرب زي أخوها، ريان نصحها كتير تبطل عناد مع الدكتور مالك لأنه سمع عنه حاجات تخوف وإنه فعلا ممكن يأذيها. جه وقت الميدتيرم، تاليا حلت الامتحان كله صح وقفلت الورقة وطلعت وهي واثقة إنها هتجيب الدرجة النهائية، قعدت مع حنين ورنا تراجع وقالت لهم أنا متأكدة إني مقفلة، بس لما النتيجة ظهرت كانت الصدمة، تاليا جايبة تمانية من عشرين، أقل درجة في الدفعة كلها، رنا وحنين جايبين تمنتاشر وتسعتاشر، تاليا انهارت وفضلت تعيط في حمام الكلية، راحت لأدهم وريان وهما بيبصوا على ورقتها مش مصدقين، الورقة متصححة بقسوة مش طبيعية، حاجات صح معمولة غلط بالعافية، إجابات نموذجية متعلم عليها غلط، ساعتها فهمت إنه قاصد يسقطها عمدا عشان كسرت كلمته. الدم غلي في عروقها، خدت بعضها وطلعت جري على مكتب الدكتور مالك، كانت بتجري في الطرقة والطلبة بتبصلها، خبطت الباب بعنف ودخلت من غير ما تستأذن، لقيته قاعد على مكتبه وبيشرب قهوة وبيبص من الشباك كأنه مستنيها، أول ما شافها ابتسم وقالها أهلا بالطالبة النابغة، قالتله بزعيق انت سقطتني عمدا صح، انت فاكر عشان انت دكتور جامعة تقدر تظلم أي حد، انت فاكر نفسك إله، أنا هروح للعميد وهقدم فيك شكوى وهفضحك في الجامعة كلها ومش هسكت. هو قام وقفل الباب بهدوء وقالها وطي صوتك يا تاليا، انتي في مكتب دكتور مش في سوق، قالتله مش هاوطي صوتي واعمل اللي تعمله، أعلى ما في خيلك اركبه، هو قرب منها وقالها تفتكري أنا محتاج أسقطك عمدا، انتي اللي عنيدة وراسك ناشفة ومش عارفة مصلحتك، قالتله مصلحتي إنك تديني حقي، أنا حاله صح، انت ليه بتعمل كده، ليه بتكرهني أوي كده، هو سكت لحظة وبصلها بصة خلتها تتوتر، بصة كلها حاجة هي مش فاهماها، بصة حب متلخبط مع إعجاب. قالها عشان من أول محاضرة وانتي داخلة دماغي ومش عارف أخرجك، من أول مرة رديتي عليا بعناد وانتي عجباني، عجبني إنك مش زي باقي البنات اللي بتبصلي كأني نجم سينما، انتي الوحيدة اللي وقفتي قصادي وقولتي لا بكل ثقة، أنا معجب بشخصيتك القوية من أول يوم يا تاليا، بس عنادك ده هيضيعك، أنا كنت بحاول أكسر كبرياءك بطريقتي عشان تقربي مني مش عشان أكرهك، كنت عايزك تحسي بيا زي ما أنا حسيت بيكي. تاليا اتصدمت، وقفت مكانها مش عارفة ترد، كل الغضب اللي جواها اتحول لكسوف وتوتر، إيديها كانت بتترعش وقلبها بيدق بسرعة، قالتله بتلعثم انت بتقول إيه، انت دكتور وأنا طالبة مينفعش، ده غلط ومستحيل، قالها أنا عارف إنك متفوقة وإن ورقتك تستاهل عشرين من عشرين، وأنا هصلح الدرجة حالا، بس افهمي إني مش عدوكي، أنا بس معرفتش أتعامل مع إعجابي بيكي غير بالطريقة الغبية دي، طريقة العناد زيك بالظبط، عشان كده سموني دكتور العناد وانت عنادك أشد مني بكتير. تاليا قعدت على الكرسي اللي قصاده وهي لسه مصدومة، قالتله يعني انت بتعترف إنك ظلمتني، قالها أيوه ظلمتك وبعتذر من كل قلبي، بس والله ما كنت قادر أشوفك متفوقة وبعيدة عني، كنت عايز أي حجة تخليني أتكلم معاكي حتى لو خناق، هو فتح الدرج وطلع ورقتها الأصلية اللي كان مصححها بضمير ومديها الدرجة النهائية وشايلها عنده، قالها شوفي أنا كنت محتفظ بيها عشان عارف إنك هتيجي تتخانقي، تاليا ضحكت غصب عنها وقالتله انت مجنون بجد، أول مرة أشوف دكتور بيعترف إنه بيغير من طالبة عشان معجبة بشخصيته، قالها أنا مش مجنون أنا واقع في حب عنادك يا تاليا. من اليوم ده العلاقة بينهم اتغيرت تماما، هو صلحلها الدرجة واداها عشرين وقالها قدام الدفعة كلها إن كان في غلطة في التصحيح وإن تاليا أشطر طالبة عنده وإنها تستاهل كل خير، حنين ورنا كانوا هيتجننوا من اللي حصل، حنين قالت لتاليا يا بنتي ده شكله بيحبك بجد عينه بتلمع لما بيشوفك، ورنا قالت يا لهوي دكتور العناد وقع ولا حدش سمى عليه، ده هيبقى فيلم، أدهم وريان بقى كانوا بيهزروا معاها ويقولولها خلي بالك ده دكتور عنيد لو اتجوزتيه هيطلع عينك وهيخليكي تذاكري طول العمر. مالك بقى يعاملها بطريقة مختلفة، بقى يديها كتب نادرة من مكتبته الخاصة، يتناقش معاها بعد المحاضرة بالساعات في مكتبه والباب مفتوح عشان كلام الناس، كان بيحاول يثبتلها إنه مش قاسي زي ما هي فاكرة، وهي بدأت تشوف فيه جانب تاني خالص، شاب طموح اتربى لوحده واتعود يعتمد على نفسه فبقى عنيد وقاسي عشان يحمي نفسه من وجع الدنيا، وهي كمان عنيدة لنفس السبب، اتربت مسئولة عن نفسها بعد وفاة باباها وكانت لازم تبقى قوية عشان أمها. في يوم كان عندهم مشروع تخرج مهم جدا هيحدد مستقبلهم، تاليا كانت عاملة فكرة مجنونة محدش عملها قبل كده، فكرة برنامج وثائقي عن العناد في الشخصية المصرية، ليه إحنا شعب عنيد وبنعتبر العناد قوة، مالك لما شاف الفكرة انبهر بيها جدا وقالها انتي عبقرية، أنا هساعدك بنفسي وهكون المشرف بتاعك، وبدأوا يشتغلوا مع بعض ليل نهار، يخرجوا يصوروا في الشارع، يقابلوا ناس بسيطة، يتناقشوا في القهاوي، وكل يوم إعجابهم ببعض كان بيزيد، كل نظرة كانت بتقول كلام كتير. لحد ما في يوم وهما بيصوروا في مكان على النيل بالليل، كان الجو هادي والمراكب بتعدي والنور بيعكس على المية، خلصوا تصوير وقعدوا يراجعوا اللي صوروه، الجو كان برد وتاليا كانت لابسة خفيف وبتترعش، مالك قلع الجاكيت بتاعه ولبسهولها من غير ما يتكلم، تاليا بصتله وقالتله انت ليه بتعمل معايا كده، انت عارف إن ده غلط وإننا لازم نبعد، قالها عارف إنه غلط كدكتور وطالبة بس مش غلط كراجل وست، أنا بحبك يا تاليا، بحب عنادك وقوتك وذكاءك وضحكتك، بحب كل حاجة فيكي، ولو عنادك هيخليني أستنى لحد ما تتخرجي هستنى العمر كله. تاليا دموعها نزلت، هي كمان كانت بتحبه بس كانت خايفة من كلام الناس ومن فرق السن ومن إنه دكتورها وإن الناس تقول إنها بتوصل على حسابه، قالتله وأنا كمان بحبك يا مالك، بس خايفة، خايفة من كل حاجة، خايفة حبنا يبقى غلطة تدمر مستقبلي ومستقبلك وسمعتنا، هو مسك إيدها وقالها طول ما احنا مع بعض مفيش حاجة هتدمرنا، عنادنا مع بعض هو اللي هيقوينا مش هيضعفنا، احنا شبه بعض أوي، احنا الاتنين عناديين بس بنحب بجد وبنخاف على بعض. عدت الشهور بسرعة أوي، مشروع تاليا خد أحسن مشروع في الكلية كلها واتعرض في حفلة التخرج والكل سقفلها بحرارة، ومالك كان واقف في الحفلة بيبصلها بفخر كأنه هو اللي نجح مش هي، كان بيبص لها كأنه بيقول شايفة عنادك وصلك لفين، وبعد التخرج بأسبوع واحد بس، مالك راح لأم تاليا وطلب إيدها رسمي وجاب معاه ورد وشيكولاتة وكان متوتر لأول مرة في حياته، أمها وافقت لما شافت الحب اللي في عينيه والصدق في كلامه، حنين كانت بتعيط من الفرحة ورنا كانت بتزغرط وتقول أخيرا دكتور العناد لقى اللي تكسر عناده وتوقعه. أدهم استغل الفرصة واعترف لحنين بحبه قدام كل الناس في خطوبة تاليا وهي وافقت وكانت بتحبه من زمان بس مستنية، وريان كان أسعد واحد عشان صاحبته لقت اللي يستاهلها وهيحافظ عليها، يوم الفرح مالك مسك الميكروفون وقال قصاد كل الناس، أنا كنت دكتور العناد اللي بيسقط أي حد يعاندني، لحد ما جت تاليا وعلمتني إن العناد لو كان مع الحب بيبقى أحلى حاجة في الدنيا، هي عنيدة وأنا عنيد بس عنادنا خلانا نلاقي بعض ونكمل بعض، تاليا ضحكت ودموعها نازلة وقالتله وأنا كنت فاكرة إنك هتدمر مستقبلي، طلعت انت مستقبلي كله يا مالك. ومن ساعتها بقوا أشهر كابل في الجامعة، دكتور العناد والطالبة العنيدة اللي قصتهم بقت حكاية كل دفعة جديدة بتدخل الكلية، الكل بقى يحكي عنهم، عن إزاي الحب ممكن يجي من قلب الخناق والجدل، وإزاي العناد ساعات بيبقى مش عيب، ساعات بيبقى هو اللي بيخلي الواحد مميز ومختلف ومحبوب، وتاليا بقت معيدة في الكلية مع مالك، بقوا يدرسوا مع بعض ويتخانقوا في المحاضرات بهزار والطلبة يضحكوا عليهم ويحبوهم، وبقوا مثال إن الحب الحقيقي مش محتاج يكون سهل، محتاج بس اتنين عناديين يعرفوا يحبوا بعض بعنادهم ويكملوا حياتهم مع بعض رغم أي ظروف. حنين بقى كانت كل شوية تقول لتاليا فاكرة أول يوم لما قالك الباب يفوت جمل كنتي هتعيطي إزاي، ورنا تضحك وتقولها ودلوقتي الباب ده بقى باب شقتكم يا بت المحظوظة، تاليا كانت بتكسف وتقولهم بس بقى بطلوا هزار ده كان هيضيعني لولا إنه طلع بيحبني، ريان كان بيقولها انتي تستاهلي كل خير يا تاليا عشان انتي جدعة وقلبك أبيض وعمرك ما كرهتي حد حتى وهو بيظلمك، وأدهم كان بيبص لحنين ويقول وأنا كمان اتعلمت من مالك إن الواحد لازم يعاند عشان يوصل للي بيحبه. مالك بقى بعد الجواز بقى أحن واحد في الدنيا، كان بيصحى الصبح يعملها قهوة ويقولها قومي يا دكتورة عنيدة عندنا محاضرة، تاليا كانت بتضحك وتقوله انت لسه دكتور العناد برضه بس عنادك بقى حلو، بقوا يروحوا الجامعة مع بعض ويرجعوا مع بعض، الطلبة بقوا يحبوهم جدا عشان حسوا إنهم قريبين منهم مش دكاترة متكبرين، كانوا بيدوا نصايح للطلبة إنهم ميخافوش يقولوا رأيهم حتى لو قدام دكتور عنيد. وفي مرة تاليا تعبت شوية ومالك اتجنن عليها وخدها المستشفى وكان قلقان جدا، وهي تقوله يا مالك أنا كويسة بطل عناد بقى، يقولها مقدرش أبطل عناد معاكي عشان بخاف عليكي، ولما عرفت إنها حامل كانت فرحتهم لا توصف، حنين ورنا عملوا حفلة كبيرة وجابوا بلالين وكيكة مكتوب عليها أخيرا العناد الصغير جاي، ومالك كان كل يوم يكلم بطنها ويقول يا عنيد يا صغير اطلع شبه ماما بس اسمع كلام بابا. وعدت الأيام وكبرت عيلتهم الصغيرة وبقى عندهم بنت سماها تاليا الصغيرة حنين عشان بتحب صاحبتها أوي، وولد سمته مالك الصغير على اسم جوزها، وكانوا كل ما يتخانقوا خناقة صغيرة بسبب العناد يرجعوا يضحكوا ويقولوا إحنا اتخلقنا لبعض بعنادنا ده، والناس كلها بقت تشوفهم قدوة، قدوة للحب اللي جه من مكان غير متوقع، من قلب محاضرة ومشادة كلامية اتحولت لأجمل قصة حب في الجامعة كلها، قصة دكتور العناد والطالبة العنيدة اللي محدش هينساها أبدا ودايما هتفضل عايشة في قلوب كل الطلبة اللي سمعوها وحبوها جدا بصدق وإخلاص كبير وحقيقي للأبد دايما بكل حب وعناد جميل مستمر للأبد.