فاشله فى نظر حماتي ج١

منى السيد

لمحة نيوز

مبروك! الطبعة الأولى كلها اتحجزت في تلاتين ساعة من المعرض، وداخلين في طبعة تانية فوراً.. ده غير إن في جاليري في الزمالك طالب يعمل معرض مخصوص للوحاتك الأصلية!
بصيت لإيديا المورمة.. نفس الإيدين اللي حماتي قالت إنها ما تنفعش غير لفرك السمنة والشقا، هي اللي فتحتلي باب عمر العيلة دي ما كانت تحلم تعدي من جنبه.
بس الفرحة ما كملتش ساعتين.. لما أحمد رجع البيت بالليل، وفي إيده كشف حساب البنك اللي كان مخبيه في عربيته بقاله أسابيع.. والمفاجأة؟ اسم دينا كان متكرر في تحويلات بمبالغ خيالية…
الورقة اللي كانت في إيد أحمد كانت بترتعش، بس مش من الصدمة زيي، ده كان عرقان ووشه أصفر كأنه ممسوك في جريمة قتل متلبس. أنا وقفت في مكاني وسط المرسم، ريحة ألوان الزيت والورق لسه مالية الأوضة، والفرحة اللي كانت من شوية في قلبي بمكالمة مديرة دار النشر اتبخرت في ثانية واحدة كأنها دخان سيجارة في هوا بارد.
هو ما حسش بيا وأنا بقرب منه بهدوء، كان مسحول في قراءة الأرقام اللي مطبوعة بخط البنك الرفيع، بيفرك جبينه بإيده الشمال، وإيده اليمين ضاغطة على طرف الورقة لحد ما كانت هتتقطع.
خطفت الورقة من إيده بحركة سريعة ما اتوقعهاش.
نيرمين! هاتي الورقة دي هنا، إنتي بتعملي إيه؟! بطلي شغل التفتيش وقلة القيمة ده!
صوته طلع عالي ومتحشرج، وحاول يمد إيده يشدها، بس أنا رجعت خطوتين لورا وخليت ترابيزة الرسم الكبيرة حاجز بيني وبينه. عيني نزلت على السطور، السطر ورا السطر، التواريخ، والمبالغ، واسم المستفيد.
خمسين ألف جنيه في أول شهر اتنين. سبعين ألف في نص شهر أربعة. تسعين ألف قبل العيد الصغير بأسبوعين بس! والمستفيد واحد مفيش غيره دينا فاروق الحسيني.
رفعت عيني وبصيت له، حسيت وقتها إن الدم في وشي سحب كله لتحت، وركبي كانت هتخوني بس شديت حيلي بالعافية وسندت بطرف صوابعي على طرف الترابيزة قلة قيمة؟ هو مين فينا اللي قليل القيمة بالظبط يا أحمد؟ الفلوس دي بتاعة إيه؟ ده كشف حساب البنك بتاعك اللي بقالك شهور بتتحجج إن الشركة مأخرة مستحقاتك، وإن الدنيا مأزمة، وإنك مش عارف تدفع قسط التكييف الجديد اللي جبناه، وفي الآخر مطلع أكتر من ميتين ألف جنيه ومحولهم لحساب سلفتي؟ لمرات أخوك؟!
أحمد اتلخبط، عينيه رايحة جاية في الصالة والطرقة، كأنه بيدور على كدبة مناسبة تترقع في ثواني، قرب من الترابيزة بصوت واطي عشان الجيران وطي صوتك يخرب بيتك هتفضحينا في العمارة! إنتي مش فاهمة أي حاجة، وطايرة في الشوشة زي العادة من غير ما تفهمي! دي فلوس جمعية كانت دافعاها ومستحقات لمشروع في شقة التجمع اللي طارق بيشطبها، وكانت محتاجة كاش ضروري وأنا سديت عنهم لحد ما طارق يرجع من السفر!
ضحكت.. ضحكة مقهورة وطالعة بشرخ من نص صدري، هزيت راسي وأنا ببص له بقرف جمعية؟ طارق أخوك بقاله تمان شهور بيقبض بالدولار في الخليج، وطارق ياما عايرك إنك على باب الله وشغال في شركة قطاع خاص وهو اللي مهندس برة وبيصرف على بيت أمه.. طارق يحتاج منك إنت تسد عنه؟ وإنت لو بتسد عن أخوك، التحويل يروح باسم دينا ليه؟ دينا اللي كل ما تقعد في قعدة تفرد ضهرها وتتمنظر إن لبسها بالشيء الفلاني، وإن روايتها اللي منشورة بتدخلها ألوفات مؤلفة، تطلع بتاخد من شقى جوزي أنا؟!
اخرسي بقى! أحمد زعق وخبط كفه على الترابيزة خبطة هزت استاند اللوحات ما تغلطيش في دينا! دينا ست محترمة ومش زي تفكيرك العقيم ده! دينا كانت بتمول مشروع كتاب جديد مع الدار، وفلوسها كانت مجمدة في البنك، وطلبت مني أقف جنبها سلفة مؤقتة، وإنتي عارفة إن أمي هي اللي طلبت مني كده وقالت لي ساعد مرات أخوك عشان ماتتبهدلش!
الكلمة نزلت على دماغي زي مية النار أمي هي اللي طلبت مني.
يعني حماتي صفاء، اللي كانت قبل أسبوعين بس واقفة فوق راسي في المطبخ بتزعقلي عشان صينية الجلاش خدت معلقتين سمنة بلدي زيادة وبتقولي وفري عشان جوزك طالع عينه في المصاريف وبيشقى، هي نفسها اللي قاعدة تملي في ودان ابنها عشان يحول تحويشة عمره لسلفتي الهانم المتعلمة!
مسكت الورقة وطبقتها بهدوء مريب.. هدوء فاجئ أحمد نفسه، هو كان متوقع إني أصرخ، أعيط، أكسر حاجة، زي أي واحدة بتكتشف مصيبة زي دي، لكن الوجع لما بيعدي مرحلة معينة، بيتحول لتلج. حطيت الورقة في جيب الروب بتاعي، ووقفت قصاده مستقيمة تمام يا أحمد. يعني دي كانت سلفة عشان خاطر مامتك وخاطر البرنسيسة.. حلو أوي.
هو اتراجع خطوة، حس بريبة من رد فعلي البارد طب هاتي الورقة بقى وبطلي حركات العيال دي عشان نقفل الموضوع، والمبلغ طارق هيرجعه أول ما ينزل إجازة الشهر الجاي. الورقة دي بتاعتي، ومش هتاخدها. وعايزة أشوف بقى طارق هيرجع مليم واحد من اللي البرنسيسة لهفته ولا لأ.
سبته ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح من جوة، وقعدت على حافة السرير. السكون كان تقيل ومخيف. دموعي ما نزلتش، حسيت بنار قايدة في راسي، وبدأت أربط الخيوط اللي فاتت كلها ببعض.
دينا كانت دايماً في كل عزومة تلمح إن الدار طالبة منها تكاليف دعاية وتسويق، وكانت حماتي تبصلي وتقول شوفي الشغل اللي عليه القيمة!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *