ابو مراتي

فيه ظرف واحد.
المحقق فتحه.
جواه صورة قديمة.
الصورة كانت تجمع أربعة أشخاص
والدي.
والدة نورهان.
أبو نورهان.
وعم نورهان.
وفي الخلفية، ظهر طفل صغير.
كبرنا الصورة.
اتجمدت مكاني.
الطفل كان أنا.
نورهان بصت لي، ثم للصورة.
أدهم إنت كنت تعرف عيلتي قبل ما تتجوزني؟
قلت
أنا؟ لا.
لكن خلف الصورة كان مكتوب
أدهم ونورهان لم يلتقيا بالصدفة.
رفعت عيني ببطء.
لأول مرة، بدأت أشك إن جوازنا نفسه كان جزءًا من قصة بدأت قبل سنين طويلة
وقبل ما نعرف الحقيقة، رن تليفون المحقق.
سمعناه يقول
إيه؟
ثم تغيرت ملامحه.
وبص لنا
لقينا عم نورهان.
سألته
فين؟
قال
في المكان اللي محدش كان يتوقع إنه يروح له.
ثم أضاف
في قبر والدك وصلنا المقابر وسط حراسة الشرطة.
كان عم نورهان واقف قدام قبر والدي، وإيده ماسكة ظرف قديم.
أول ما شافني، قال
أخيرًا جيت.
بصيت له بغضب.
إنت كنت مستنيني؟
ضحك بهدوء.
أنا مستني اليوم ده من سنين.
المحقق قرب منه
إنت مطلوب للتحقيق.
رفع إيده وقال
هتكلم بس لازم أدهم يسمع الحقيقة الأول.
قلت
اتكلم.
بص للظرف اللي في إيده.
أبوك ماكانش عدو لعيلتنا. كان أقرب شخص حاول يحمينا من نفسنا.
فتحت عيني بدهشة.
يبقى ليه كل اللي حصل؟
قال
لأن أبو نورهان دخل في صفقة غلط من سنين. وأنا ساعدته. ولما والدك اكتشف الموضوع، حاول يوقفنا.
سألت
وإيه علاقة أمي ونورهان؟
سكت طويلًا.
ثم قال
أم نورهان اكتشفت كل حاجة.
نورهان كانت واقفة جنبي، ووشها شاحب.
تابع
عشان كده نقلت كل ممتلكاتها لنورهان، وحطت المستندات في مكان محدش يعرفه.
قلت
طيب الصورة دي؟
أخرج صورة أخرى.
كانت صورة قديمة لنا إحنا الاتنين، لكن عمرنا وقتها كان صغيرًا جدًا.
أنا واقف جنب والدي.
ونورهان واقفة جنب والدتها.
نورهان بصت للصورة بدهشة.
إحنا اتقابلنا قبل كده؟
عمها قال
أيوه.
فين؟
في اليوم اللي حصل فيه الاتفاق بين والدك ووالد أدهم.
ثم أخرج ورقة قديمة.
كان فيها توقيع والدي ووالدة نورهان.
قرأت أول سطر
في حالة استمرار الخطر، سيتم تأمين مستقبل الطفلين بعيدًا عن نفوذ العائلة.
اتجمدت.
يعني إيه الطفلين؟
قال
والدك ووالدتها كانوا خايفين إن الصراع يوصل لكم لما تكبروا.
نورهان قالت
عشان كده جوازنا حصل؟
هز رأسه.
لا.
ثم نظر لي مباشرة.
جوازكم ماكانش مخططًا له. والدك ووالدتها كانوا بس عايزين يبعدوا أولادهم عن الصراع. اللي حصل بعد كده كان اختياركم أنتم.
أول مرة أحس إن الحمل اللي على صدري خف شوية.
لكن بقي سؤال أخطر.
قلت
طيب ليه اعتديتوا على نورهان بعد كل السنين دي؟
عم نورهان طأطأ رأسه.
لأننا عرفنا إن أمها تركت لها حقوقًا ضخمة. حاولنا نقنعها تتنازل. رفضت. بعدها أبوها وإخواتها قرروا يخوفوها.
نورهان قالت
والاعتداء؟
خرج عن السيطرة.
المحقق قاطعه
وده مش عذر.
عم نورهان سكت.
ثم سلّم الظرف للمحقق.
دي كل الحسابات والتحويلات والأسماء. فيها كل حاجة.
فتحه المحقق.
لكن كان فيه ورقة منفصلة.
ناولها لي.
كانت مكتوبة بخط والدي.
يا أدهم، لو وصلت للورقة دي، يبقى أنت ونورهان كبرتوا، والحقيقة ظهرت. ما تخليش الماضي يقرر مستقبلك.
وقفت للحظات.
ثم بصيت لنورهان.
هي كانت بتبص لي في صمت.
قلت
أبويا كان عايزنا نعيش من غير ما نعرف أي حاجة.
ردت
وإحنا فعلًا هنعيش.
في اليوم التالي، اكتملت التحقيقات.
الأدلة الجديدة ربطت عم نورهان وباقي المتهمين بالتحويلات والخطة.
وبعد فترة، صدر الحكم في القضية.
نورهان حصلت على حقوقها كاملة، وكل ممتلكاتها اتردت لها بالقانون.
أما أنا، فقررت أقفل كل الملفات القديمة.
مش لأننا نسينا اللي حصل
لكن لأننا مش عايزين بقية عمرنا يبقى مجرد رد فعل على جريمة اتعملت ضدنا.
بعد شهور، رجعت نورهان لحياتها تدريجيًا.
كانت لسه بتتعافى نفسيًا وجسديًا.
وفي يوم، فتحت صندوقًا صغيرًا وحطت فيه صورة طفلنا.
قالت
مش هنساه.
قلت
ولا أنا.
ثم قفلت الصندوق.
وقالت
بس عايزة أعيش.
رديت
ونعيش.
لأول مرة من شهور، كان المستقبل قدامنا من غير ملفات سرية، ولا تهديدات، ولا خوف.
والحقيقة الوحيدة اللي فضلت معانا
إن القوة الحقيقية مش إنك تقدر تنتقم.
القوة إنك تقدر تختار العدل، حتى بعد ما اتظلمت مرت ستة شهور على انتهاء القضية.
نورهان كانت بتتعافى يوم بعد يوم، لكن كان واضح إن الجرح النفسي أصعب من أي إصابة جسدية.
في صباح هادي، دخلت عليها لقيتها قاعدة قدام الشباك، وفي إيدها دفتر صغير.
قلت
بتكتبي إيه؟
قالت
كل حاجة نفسي أعملها لما أرجع لحياتي.
قعدت بعيد عنها وقلت
وريني.
ابتسمت وقالت
لأ.
ليه؟
عشان أول حاجة فيها مش هتعجبك.
ضحكت لأول مرة من فترة.
إيه هي؟
قفلت الدفتر وقالت
عايزة أفتح مؤسسة باسم ابني.
سكت.
كملت
مساعدة للأمهات اللي بيتعرضوا للعنف من عائلاتهم، خصوصًا اللي بيخافوا يتكلموا.
قلت
أنا هساعدك.
ردت فورًا
لا.
استغربت.
لا؟
المشروع ده لازم يكون باسمي أنا. أنا اللي عشت التجربة، وأنا اللي عايزة أساعد غيري.
ابتسمت.
يبقى أنا هساعدك من بعيد.
قالت
اتفقنا.
وبدأت نورهان بالفعل.
استأجرت مكان صغير، وبدأت بفريق قانوني وطبي لمساعدة السيدات اللي مش عارفين يطلبوا النجدة أو يوصلوا لحقوقهم.
لكن بعد أول شهر، وصلها ظرف مجهول.
جواه ورقة واحدة
لسه في شخص ما اتكشفش.
نورهان جابت الورقة لي.
بصيت لها وقلت
ممكن يكون تهديد.
قالت
وممكن يكون تحذير.
سلمناها للشرطة.
وبعد الفحص، اكتشفوا إن الورقة اتبعت من مكان قريب جدًا من المؤسسة.
يعني الشخص اللي أرسلها كان بيراقب المكان.
بدأت الحراسة تراجع الكاميرات.
وبعد يومين، ظهر شخص غريب كان بيقف كل يوم في الشارع المقابل.
الشرطة أوقفته.
لكن المفاجأة إنه ماكانش واحد من عيلة نورهان.
كان صحفيًا قديمًا كان بيحقق في القضية الأصلية من أكتر من عشر سنين.
قال
أنا مش عايز أضركم.
سألته
طيب ليه كنت بتراقب المؤسسة؟
طلع ملفًا من حقيبته.
لأني اكتشفت إن القضية القديمة كان فيها شخص خامس.
فتحت الملف.
كانت فيه مستندات جديدة.
واسم الشخص الخامس
كان اسم مسؤول مالي كبير كان هو اللي بيغطي على التحويلات طوال السنين.
سألته
ليه ماكشفتش ده من زمان؟
قال
لأن كل مرة كنت بقرب من الحقيقة، الأدلة تختفي.
نورهان بصت لي.
ثم قالت
دلوقتي الأدلة مش هتختفي.
أخذنا الملف وسلمناه للنيابة.
وبدأت قضية جديدة.
لكن المرة دي نورهان ماكانتشي الضحية اللي مستنية حد ينقذها.
كانت شاهدة رئيسية، وصاحبة حق، وصاحبة مؤسسة بتساعد غيرها.
وبعد شهور من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
كل شخص شارك في الاعتداء أو حاول التلاعب بالأدلة تمت محاسبته وفق القانون.
أما الشخص الخامس، فكانت مستنداته كافية لفتح ملفات فساد قديمة مرتبطة بالقضية.
وفي يوم إعلان الحكم، نورهان كانت واقفة جنبي.
سألتها
حاسّة بإيه؟
قالت
حاسّة إني أخيرًا قفلت الباب ده.
بصيت لها.
مش عايزة تعرفي باقي أسرار الماضي؟
هزت رأسها.
كفاية.
ثم بصت للسماء وقالت
أنا خسرت ابني، وده عمره ما هيتنسي لكن مش هسمح إن خسارته تخليني أخسر نفسي كمان.
ومن اليوم ده، قررنا نبدأ حياة مختلفة.
حياة مافيهاش أسرار.
مافيهاش خوف.
ومافيهاش انتقام.
فقط حق اترد
وإنسانة قررت بعد كل اللي حصل إنها تكمل طريقها.
أما أدهم؟
فكان عارف إن أغلى انتصار في حياته مش إنه قدر يسقط اللي ظلموا نورهان.
أغلى انتصار
إن نورهان قدرت تقف تاني على رجليها، وتختار تعيش مرت سنة كاملة.
المؤسسة اللي بدأت صغيرة كبرت، وبقت بتساعد عشرات السيدات في الحصول على حماية ومساعدة قانونية.
نورهان نفسها كانت اتغيرت.
بقت أقوى، أهدى، ومابقاش سهل على أي حد يخوفها.
وفي يوم، كنت في مكتبي لما المحامي دخل فجأة.
وشه كان غريب.
أدهم لازم تشوف ده.
حط قدامي ملف قديم.
فتحته.
كانت فيه وثيقة ملكية تعود لأم نورهان.
لكن الوثيقة فيها بند ماحدش شافه قبل كده.
قرأته مرة.
ومرتين.
وبعدين قلت
مستحيل.
المحامي قال
أنا راجعتها من السجل العقاري بنفسي.
اتصلت بنورهان فورًا.
وصلت بعد نصف ساعة.
حطيت الوثيقة قدامها.
بدأت تقرأ.
وبعد ثواني، رفعت عينيها.
يعني إيه إن أمي كانت سايبة جزء من الملكية لمؤسسة خيرية؟
قلت
المفاجأة مش هنا.
قلبت الصفحة.
كان فيه شرط مكتوب بخط واضح
في حالة تعرض ابنتي لأي محاولة إجبار أو اعتداء بسبب هذه الممتلكات، تنتقل الإدارة القانونية للأصول إلى لجنة مستقلة، ولا يحق لأي فرد من أفراد العائلة التحكم فيها.
نورهان سكتت.
ثم قالت
أمي كانت متوقعة اللي حصل.
المحامي رد
واضح إنها كانت عارفة إن فيه خطر.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الصفحة.
اسم أحد أعضاء اللجنة.
كان اسم والدي.
نورهان بصت لي.
أبوك كان جزء من الخطة؟
قلت
مش خطة الجريمة خطة الحماية.
وفجأة فهمنا كل حاجة.
والدي ووالدتها كانوا عارفين إن الصراع داخل العيلة ممكن يكبر.
فعملوا نظام قانوني يمنع أي شخص من الاستيلاء على حقوق نورهان.
لكنهم ماتوا قبل ما يقدروا يكملوا كل الإجراءات.
ولهذا السبب ظل الملف مخفيًا.
بعد أيام، صدر قرار قانوني بإعادة تنظيم الممتلكات، وتحولت نسبة كبيرة منها لمشروعات المؤسسة التي أنشأتها نورهان.
ولأول مرة، فلوس العيلة اللي حاولوا يستخدموها ضدها
بقت سببًا في مساعدة ناس تانية.
لكن القصة ماخلصتش هنا.
في مساء هادي، وصل ظرف للمؤسسة.
نورهان فتحته.
كان جواه خطاب قصير.
أنا كنت أعرف والدتك ووالدك وعندي آخر جزء من الحقيقة.
مفيش اسم.
ولا عنوان.
بس كان فيه رقم هاتف.
اتصلنا.
رد صوت رجل مسن
أنا كنت سكرتير والدك.
سألته نورهان
إنت تعرف أمي؟
كنت أعرفها كويس.
إيه اللي مخبيه؟
سكت لحظات.
ثم قال
والدتك قبل وفاتها بأيام عرفت إن فيه مستند ناقص

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *