بنتي ملت ٣ عربيات سوبر ماركت

انجي الخطيب

نسختي من العقد وأحطها في شنطتي بهدوء الراحة مالهاش علاقة بالفلوس يا كريم.. الراحة إن كل واحد يعرف حجمه وقيمته وما يتخطاش حدوده مع اللي أكبر منه.
خرجت من المكتب وأنا حاسة بوزن تقيل كان كاتم على نفسي وسقط مرة واحدة.
بدل ما أرجع أعيش معاهم في نفس البيت واستحمل نظرات الجفاء والضغط النفسي، أستاذ توفيق ساعدني أجر شقة صغيرة ودافية في الكوربة بمصر الجديدة، قريبة من الشارع اللي عشت فيه مع محمود. شقة دور أرضي فيها جنينة صغيرة، مشمسة وريحتها ورد، أثثتها بحاجات بسيطة على ذوقي، ورجعت فيها علبة الشاي الأعشاب اللي جبتها في يوم السوبر ماركت حطيتها على الرف في المطبخ، كإنه شاهد على اليوم اللي بدأت فيه حياتي من جديد.
بعد شهرين، وفي يوم جمعة مشمس، جرس الباب رن.
فتحت، لقيت نسرين واقفة. مكنتش جاية تتخانق، ولا جاية تطلب فلوس. كانت لابسة بسيط، وماسكة في إيدها أكلة بيتي كانت عارفة إني بحبها من زمان.
وقفت عند الباب بكسوف، وقالت بصوت واطي ممكن أدخل يا ماما؟
وسعتلها الباب وقلت ادخلي يا نسرين.
قعدت في الصالة، وبصت حواليها في الشقة الهادية المليانة شمس، وبعدين بصتلي والدموع اتجمعت في عينيها تاني، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا طمع.. كانت دموع حد أدرك متأخر أوي حجم الغلطة اللي ارتكبها.
أنا جيت أسلم عليكي.. قالتها وهي بتبص للأرض البيت من غيرك فضي يا ماما.. كريم بيشتغل شغلانة إضافية بالليل عشان يقدر يغطي الإيجار ومصاريف الولاد، وأنا نزلت اشتغلت في حضانة قريبة عشان أساعده.. لأول مرة أفهم يعني إيه القرش بيجي بصعوبة.. لأول مرة أفهم إنتِ وبابا تعبتوا قد إيه عشان تعملولنا قيمة.
سكتت ثواني وأنا بسمعها. مكسرتش بخاطرها، بس في نفس الوقت مادتهاش الأمل إن القديم يرجع.
مسكت إيدها وقلت الدرس ده كان لازم تتعلموه يا بنتي.. كان ممكن أفضّل ساكتة وأستحمل لحد ما أموت، بس ساعتها كنت هسيبك بني آدمة معندهاش أصل ولا تحترم الدم. اللي عملته مكنش قسوة، كان دوا مر.. بس كان لازم تبلعيه عشان تفوقي.
نسرين وطت على إيدي وبستها بدموع حقيقية المرة دي سامحيني يا ماما.. والله العظيم ندمانة.
سحبت إيدي بهدوء ، حنية الأم اللي جفت أربع سنين رجعت تسيل بس بحساب وضوابط.
النهارده، وأنا قاعدة في جنينة شقتي، بشرب الشاي الأعشاب وبسمع أم كلثوم بتغني في المذياع، بقيت عارفة إن العمر لما بيعدي ال، مبيبقاش فاضل فيه وقت للتضحيات الرخيصة ولا للمساومة على الكرامة. الأمومة مش معناه إنك تطفئ شمعتك عشان تنور حديقة غيرك وهو بيدهس على ظلك.. الأمومة إنك تعلم ولادك الأصول، حتى لو كان التمن إنك تقفل محفظتك وتفتح عينيهم على الحقيقة.
مرت ست شهور كمان، وكانت الحياة ماشية بالمسطرة، كل واحد فينا في مكانه الصح.
في يوم جمعة، والشمس بتغمر الجنينة الصغيرة بتاعة شقتي في الكوربة، سمعت خبطة هادية على الباب. فتّحت لقيت مروان، حفيدي، واقف ورا الباب وفي إيده شنطة مدرسته وشهادة تقدير كبيرة.
تيتة عزيزة! نادى عليا .
قعد معايا في الجنينة، وطلع الشهادة وقال بفخر طلعت الأول على الدفعة في المدرسة يا تيتة. وأول واحد كنت عايز أوريله الشهادة هو أنتِ.
رديت عليه ما شاء الله يا حبيبي، طول عمرك شاطر ومتربي.
مروان بصلّي بهدوء، وقال كلمة خلت قلبي يرفرف عارفة يا تيتة؟ أنا بطلت آخد مصروف زي زمان وأطلب حاجات ملهاش لازمة. لما شفت بابا بيشتغل ورديتين عشان يدفع إيجار الشقة، وماما بتصحى من خمسة الصبح تروح الحضانه، عرفت إن الفلوس بتيجي بشقى.. وعرفت قد إيه أنتِ كنتِ شايلانا كلنا وأحنا مش حاسين.
الدمعة اتجمعت في عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة. الكلمة دي من حفيدي كانت أبلغ دليل إن اللي عملته مكنش مجرد حماية لفلوسي.. ده كان إنقاذ لجيل كامل كان هيطلع متدلع ومش حاسس بقيمة اللقمة.
على الساعة أربعة العصر، الباب اتخبط تاني. كانت نسرين وكريم. دخلوا ومعاهم الظرف المقفول بتاع الإيجار، زي كل أول شهر في الميعاد بالظبط من غير تأخير ولا يوم.
كريم حط الظرف على الطاولة بهدوء وقال ده إيجار الشهر يا طنط.. ودول ألفين جنيه زيادة كنت حابب أجيبلك بيهم أيا كان علاج أنتِ محتاجاه، من غير ما تمسي شهاداتك.
بصيت لوش كريم، مكنش فيه أي أثر للغرور بتاع زمان. كان وش راجل تعب في القرش، وعرف يعني إيه مسؤولية وتدبير.
شكراً يا كريم، ربنا يوسع عليك من حلاله، قلتها وأنا باخد الظرف منه بكل احترام وتوقير، من غير أسلوب المنّ ولا التعالي.
نسرين قعدت جنبي في الجنينة، وبصت للورد اللي زرعته وقالتي تعرفي يا ماما؟ كريم باع العربيات السوبر اللي كانت بتاخد نص مرتبه في الأقساط، وجاب عربية صغيّرة على قدنا عشان يخلص من الديون. وأنا اتعلمت أعمل ميزانية للبيت أسبوع بأسبوع، ومفيش قرش بيطلع في غير موضعه.
ابتسمت وقمت عملت لهم شاي بأيدي. قعدنا أربعة، أنا ونسرين وكريم ومروان، بنشرب الشاي في الجنينة ونضحك على ذكريات قديمة حلوة من أيا ما محمود كان عايش.
لأول مرة من سنين طويله، حسيت إننا عيلة بجد. مش عيلة قائمة على الاستغلال والسكوت الخاطئ، لكن عيلة قائمة على الاحترام، وكل واحد عارف حده، وعارف إن الكبار قيمتهم في مقامهم مش في جيبهم.
وأنا ببص عليهم وهم بياكلوا الكيكة اللي عملتها بإيدي، أدركت الحقيقة الكاملة ساعات أكبر خدمة بتقدمها للي بتحبهم، مش إنك تفضل تدي لحد ما تتقطع.. الخدمة الحقيقية إنك تقول لأ في الوقت المناسب، عشان تفوقهم قبل ما يقعوا في الهاوية.
قفلت محفظتي الحمرا في يوم السوبر ماركت عشان أفتح لولادي باب يفهموا منه معنى الحياة، والنهارده بس.. أقدر أقول إني كسبت بنتي وبيتي وكرامتي للأبد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *