بنتي ملت ٣ عربيات سوبر ماركت
انجي الخطيب
لمحة نيوز
الصالة ببدلته الفاخرة مستني الأكل والعزومة، وزملاؤه في الشغل ومديره على وشك يوصلوا.
يعني إيه سابتك ومشيت؟! يعني إيه مفيش أكل؟! إنتي مجنونة يا نسرين؟! صوت كريم كان طالع من الصالة وجايب آخر الشارع.
ردت نسرين وهي بتعيط بهستيريا أنا مكنتش فاكرة إنها هتستجرى تعمل كده! أصلها اتغيرت يا كريم… بقت ناشفة ورفضت تدفع ال ألف جنيه من الفيزا بتاعتها!
زعق فيها كريم وهو بيمسك دماغه الناس على وصول! هطلب دليفري بآلاف الجنيهات إزاي دلوقتي والفيزا بتاعتي مقفولة لحد أول الشهر؟! اتصلي بيها خليها ترجع فوراً!
تلفوني رن أكتر من ثلاثين مرة.
رنات متواصلة من نسرين… وبعدها من كريم.
كنت قاعدة في صالة أختي سعاد، حاطة الموبايل على الصامت جنب كباية الشاي الدافي. بصيت للشاشة وهي بتنور باسم نسرين، ومستعجبتش. لأول مرة أحس إن الرنات دي ملهاش أي تأثير عليا. مفيش نبضة قلب سريعة، مفيش تأنيب ضمير.
ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كنت واقفة قدام مدير فرع البنك مع أستاذ توفيق.
طبعت استمارة إيقاف التحويل التلقائي للأقساط، وسحبت التوكيل الإداري اللي كنت عملاه لنسرين عشان تتصرف في حسابي. وبأمر من أستاذ توفيق، قدمنا طلب رسمي للشركة العقارية المالكة للمشروع بتعديل العقد وإعادة تسجيل الملكية باسمي أنا شخصياً بناءً على إثباتات التحويلات البنكية ومصدر الأموال الأصلي.
الساعة عشرة ونص، الموبايل رن. المرة دي كان رقم كريم.
رديت بهدوء أهلاً يا كريم.
صوته كان متقطع ومذعور، مفيش فيه أي أثر للنبرة المتعالية اللي كان بيكلمني بيها طنط عزيزة! أرجوكي افهميني… البنك كلمني دلوقتي وبيقولوا إن قسط الشقة المباشر اتلغى، وإن فيه إنذار هيوصلي بفسخ العقد لو القسط نزل من حساب تاني! الشقة هتروح مننا يا طنط! نسرين عمالة تعيط ومشتتة، والناس بتوع الشركة العقارية بيقولوا إنك سحبتي الملكية باسمك! فيه إيه يا طنط؟ إحنا ولادك!
سكت ثواني. أخدت نفس عميق ورشفت بقية كباية القهوة اللي أستاذ توفيق جابها لي، وبصيت من شباك البنك على الشارع والشمس الماليّة الدنيا.
رديت بصوت صافي وراسي، مفيش فيه نبرة غضب واحدة، لكنه كان أتقل من الجبال
مفيش حاجة يا كريم… ده أقل واجب أعمله، مقابل إنكم كنتوا عايشين معايا في شقتي.
السكون اللي خيم على التليفون كان يرعب. كريم مكنش لاقي كلمة يقولها، كل الجمل اللي حضرها عشان يدافع بيها عن نفسه تبخرت في لحظة. صوت أنفاسه المكتومة المتسارعة كان باين في السماعة.
طنط… أنتِ… أنتِ بتتكلمي جد؟ كريم قالها بصوت متلجلج ومكسور، النبرة الفرعونية اللي كان بيكلمني بيها قدام الناس اختفت تماماً. تطردينا من الشقة يا طنط؟ إحنا وولادك؟ نسرين هتموت من العياط، ومروان وولادنا هيروحوا فين؟
رديت عليه بهدوء محدد أنا مطردتش حد يا كريم. أنا رجعت الحق لأصحابه. الشقة شقتي، والفلوس فلوسي. أنت ونسرين قدامكم شهر واحد.. إما تتدبروا أمركم وتدفعوا إيجار المكان اللي قاعدين فيه بالأسعار الحقيقية، إما تفضوا الشقة وتسلموني المفاتيح. والتليفون ده هو آخر كلام بيني وبينك.
قفلت السكة في وشه قبل ما يسمعني أي مبررات. حطيت الموبايل على الطاولة، وأستاذ توفيق كان بيبصلي بابتسامة إعجاب هادية، وهز رأسه وقال كده أنتِ عزيزة بتاعة زمان يا حاجّة.. اللي محمود الله يرحمه كان بيتباهى بقوتها وعقلها قدام الدنيا كلها.
بعد ساعتين بالظبط، الباب بتاع شقة أختي سعاد اتخبط بهستيريا. خبط متواصل ورزع كأن البيت بيقع.
سعاد قامت جرت فتحت الباب، ولقينا نسرين داخلة وهي منهارة، وشها شاحب، وعينيها متورمة من العياط، ووراها كريم ماسك أوراق في إيده ومذهول.
نسرين رمت نفسها عند رجلي في الصالة، وبكت بصوت طالع بالعافية سامحيني يا ماما.. والله العظيم ما كان قصدي! أنا بنيت كل حياتي غلط، وغروري أعمى عيني.. أرجوكي يا ماما متعمليش فينا كده، إحنا هنترمي في الشارع! كريم شغله ميهددهوش بس إلا بالديون، والشقة دي هي كل حيلتنا!
بصيت لنسرين، وبصيت لكريم اللي كان واقف ناكس رأسه للأرض ومش قادر يحط عينه في عيني.
الدموع اللي كانت بتنزل من عين بنتي مكنتش دموع ندم حقيقي، كانت دموع خوف من الخسارة.. خوف إن الستارة اتكشفت والغطا اتكشف عن العيشة الكدابة اللي عاشوها على حساب صحتي وكرامتي.
نزلت لإيديها، ومسكتها وقومتها بهدوء، بس مأخدتهاش في حضني.
وقفتها قدامي وقلت بصوت واطي ومسموع الشارع اللي خايفة تترمي فيه يا نسرين، أنا كنت عايشة فيه نفسياً وأنا في قلب بيتك. الأوضة اللي حشرتيني فيها جنب حيطة الرطوبة، كانت أكبر دليل على إنك نسيتي منين جيتي ومين اللي عملك.
يا ماما.. والله هغير كل حاجة! نسرين كانت بتترجى وهي بتشهق. الأوضة الكبيرة هترجعلك، ومش هخليكي تلمسي قشة في البيت، وهديكي معاشك وزيادة.. بس بلاش تاخدي الشقة!
ابتسمت بمرارة وقلت تغيري إيه يا بنتي؟ الثقة لما بتتكسر مابتترممش بوعود الخوف. أنتِ ما حسيتيش بقيمتي إلا لما الفلوس اتسحبت. أنتِ مكنتيش شايفاني أم، أنتِ كنتي شايفاني خادمة بفيزا بنك.
كريم قَرّب خطوة وقال بصوت مكسور يا طنط عزيزة، أنا مستعد أكتبلك تعهد.. مستعد أعمل أي حاجة أنتِ تطلبيها، بس أرجوكي بلاش تضيعي بيتنا ومستقبل ولادنا.
بصيتله وقلت البيت ده بيتي أنا يا كريم. وعشان ولادكم، وعشان مروان حافيدي اللي مالوش ذنب، أنا مش هرميكم في الشارع بكرة. المحامي هيعمل عقد إيجار رسمي بيني وبينك، هتدفع فيه إيجار شهر بشهر بسعر السوق، وشهادات الاستثمار هترجع لسيادتي أعيش منها بكرامتي وأجيب علاجي من غير ما أستنى منة من حد. وإذا مش عاجبك.. الأبواب مفتوحة.
نسرين بصتلي وكأنها بتشوف ست تانية خالص غير الأم المغلوبة على أمرها.
عرفت في اللحظة دي إن الخط اللي اترسم مش هيرجع لورا تاني. إن عزيزة بتاعة زمان رجعت، ومش هتاخد خطوة للمسحوقين تاني.
مسكت شنطتي، وحطيت المفاتيح قدامهم على الطاولة، وقلت بهدوء
روحي بيتك يا نسرين.. واعرفي إن الأمومة مش صك ملكية تذلي بيه اللي جابتك الدنيا.. الأمومة احترام، والكرامة ملهاش تمن يا بنتي.
لفيت وشي ودخلت أوضتي في شقة سعاد، وقفلت الباب بابتسامة هادية.. لأول مرة من أربع سنين، حطيت راسي على المخدة وأنا حاسة إن صدري خفيف، ومحدش كاسر عيني.
مر أسبوع كامل، وكان أسبوع الحساب والمواجهة مع الواقع.
في مكتب أستاذ توفيق في مصر الجديدة، كانت التكييفات شغالة بصوت واطي، بس الجو جوه المكتب كان شاحن بالتوتر. كريم كان قاعد قصاد المكتب، شايل القلم في إيده وبيترعش قبل ما يوقع على عقد الإيجار الجديد. عقد بيخليه يدفع 30 ألف جنيه شهرياً تمن إيجار الشقة بأسعار السوق ومكتوب فيه بند صريح إن الملكية الكاملة للشقة مسجلة باسمي أنا، عزيزة عبد الرحمن.
نسرين كانت قاعدة جنبه، لابسة نظارة شمس سودا دارت بيها عينيها المورمة من كتر العياط. مكنتش قادرة تبص في عيني، وكل ما عينها تيجي في عيني تقلب وشها الناحية التانية.
وقع يا كريم.. أستاذ توفيق قالها بنبرة هادية وبصوت فيه سلطة القانون ودفعة أول شهر طالعة بشيك مقبول الدفع، متضمنة الصيانة والخدمات.
كريم مضى، وحط القلم على الترابيزة بصوت مكتوم. رفع راسه وبصلي كده تمام يا طنط؟ ارتاحتي كده؟
رديت عليه وأنا باخد