مين علمها تمشي

مين علّمها تمشي؟.. المليونيرة اتصدمت لما بنتها أشارت لأب أعزب كان شغال عامل نظافة، وهو في الحقيقة جندي سابق في القوات الخاصة!
بهو فندق جراند النيل الرخامي سكت فجأة الساعة 1243 ظهر يوم الخميس.
مش عشان فرقة الوتريات بطّلت تعزف.
ولا عشان مرات المحافظ وصلت قبل ميعادها بعشرين دقيقة.
ولا عشان حوالي 300 ضيف من كبار رجال الأعمال في حفل مؤسسة النيل الخيرية فجأة نسوا يتكلموا.
المكان كله سكت…
عشان مريم النجار، البنت اللي عندها تمن سنين، سابت إيد مامتها.
سيرين النجار حسّت بصوابع بنتها وهي بتنسحب من إيدها، فمدت إيدها وراها بشكل تلقائي.
مريم.
بنتها هزّت راسها.
حركة صغيرة جدًا.
لا.
سيرين اتجمدت مكانها.
بقالها تقريبًا تلات سنين، ومريم رافضة تقف في أي مكان مفتوح من غير ما تكون ماسكة في شخص، أو سور، أو دراع حد، أو العكاز اللي بتستخدمه، أو مسكة المشاية بتاعتها.
الدكتورة بتاعة العلاج الطبيعي كانت بتقول إن ده خوف شديد متراكم فوق مشكلة حقيقية في الحركة.
أما سيرين…
فكانت بتعتبره المشكلة الوحيدة اللي فشلت تحلها، مهما حاولت.
مريم حطت رجليها الاتنين على الرخام اللامع.
ركبها بدأت تترعش.
الناس الأغنيا اللي حواليهم نزلوا كوبايات الشامبانيا من إيديهم.
سيناتور كان بيتكلم وقف نص كلامه.
ومدير أمن سيرين أخد خطوة لقدام بشكل تلقائي.
مريم رفعت دقنها.
وقالت
محدش يقرب.
الكلمة كانت موجهة لكل اللي حواليها.
خصوصًا مامتها.
إيد سيرين فضلت ممدودة في الهوا بينهم.
مريم نقلت وزن جسمها.
شمال.
النص.
يمين.
بالظبط زي ما الدكتورة كانت معلماها.
وبعدين…
أخدت أول خطوة.
سيرين حبست نفسها.
الخطوة التانية.
رجل مريم الشمال اتسحبت سنة صغيرة.
لكنها عدّلت توازنها.
الخطوة التالتة.
حد من الموجودين شهق من الصدمة.
سيرين تقريبًا ما سمعتوش.
بنتها…
كانت بتمشي في البهو.
مش بشكل كامل.
ومش بسرعة.
ومش زي المشاهد العاطفية اللي بتظهر في الإعلانات، واللي فجأة فيها كل سنين التعب والمرض بتختفي على أنغام موسيقى مؤثرة.
مريم ركبتها اليمين اتهزت.
وقفت لحظة.
استعادت توازنها.
وكملت.
خمس خطوات.
سبعة.
عشرة.
دموع سيرين غطت عينيها.
همست
يا نهار أبيض…
لكن مريم ما راحتش ناحية الدكاترة اللي قاعدين على الترابيزة رقم ستة.
ولا راحت ناحية دكتورة إيلين بروكس، اللي كانت واقفة جنب المسرح وحاطة إيدها على بوقها من شدة الصدمة.
ولا حتى راحت ناحية أبوها، ياسين، اللي كان جوز سيرين السابق ووصل فجأة قبلها بعشر دقايق، وكان واقف بيتفرج من عند باب قاعة الحفلات.
مريم كانت رايحة ناحية…
عامل نظافة.
كريم مراد كان واقف جنب عربية التنظيف الرمادي بتاعته، قريب من المصاعد الشرقية.
كان بيغيّر لافتة التحذير من الأرض، لكن أول ما المكان كله اتغير…
وقف مكانه تمامًا.
قميص شغل باهت.
بنطلون أسود مخصوص للشغل.
جزمة قديمة، بس كانت متلمعة، كأنه قرر إن حفلة خيرية لمليونيرة تستاهل إنه يهتم بمظهره شوية.
عنده 38 سنة.
أرمل.
وأب أعزب.
وعامل نظافة في الفندق.
أو…
ده على الأقل اللي كل الناس اللي موجودة في القاعة كانوا فاكرينه.
مريم أخدت خطوة كمان.
كريم ما اتحركش ناحيتها.
وده كان أول حاجة سيرين لاحظتها وسط دموعها.
كل غريزة عند سيرين كانت بتقول إن لازم حد يقرب منها.
يمسكها.
يلحقها.
يحميها.
لكن كريم…
بس نزل على ركبته في هدوء.
ما مدش إيده.
ما حاولش يمسكها.
ما وعدهاش بحاجة.
فضل مستني.
ركبة مريم خانتها فجأة.
كام شخص شهقوا في نفس اللحظة.
لكن كريم ما اتحركش من مكانه.
وقال لها بصوت هادي جدًا
ركزي في نص جسمك.
مريم عدلت وقفتها.
وقلب سيرين اتكسر من جواها.
هي عارفة الجملة دي.
مريم أخدت خطوتين كمان.
وبعدين تلاتة.
لحد ما وصلت لكريم.
حطت إيديها الاتنين على كتافه.
كريم ابتسم.
مش الابتسامة اللي الكبار بيبتسموها للأطفال عشان يحسّسوهم إنهم عملوا حاجة عظيمة.
دي كانت ابتسامة صغيرة…
متعبة.
حقيقية.
وقال
عملتيها.
مريم هزت راسها.
وقالت
إحنا عملناها.
ملامح كريم اتغيرت للحظة.
وفي نفس الوقت، سيرين بدأت تمشي ناحيتهم ببطء.
رجلها كانت حاسة إنها أضعف من رجل بنتها.
نزلت على ركبتها جنب مريم.
والدموع نزلت على وشها قبل ما تقدر تمنعها.
حبيبتي…
مريم بصتلها.
سيرين ضحكت ضحكة قصيرة وهي نفسها مقطوع.
وقالت
مين علّمك تعملي كده؟
مريم بصت لمامتها…
وبعدين لفت وشها ناحية كريم.
وأشارت عليه.
سيرين بصت لكريم.
ثم رجعت بصت لبنتها.
وفي اللحظة دي…
بدأت تستوعب إن عامل النظافة اللي كانت بتشوفه كل يوم في الفندق…
مش مجرد عامل نظافة.
لأن بنتها اللي بقالها سنين مش قادرة تمشي لوحدها…
كانت بتعرف تمشي بسببه.
بس السؤال الحقيقي كان مين كريم مراد أصلًا؟
وليه أب عنده تمن سنين اختار يشتغل عامل نظافة في فندق فخم…
وإيه السر اللي كان مخبيه عن كل الناس؟
مين علّمها تمشي؟
الفصل الأول عامل النظافة
سيرين فضلت باصة لكريم كام ثانية، كأن مخها مش قادر يربط بين الصورة اللي قدامها وبين كل الأيام اللي فاتت.
عامل النظافة.
ده كان أول وصف جه في دماغها.
عامل النظافة اللي كانت بتشوفه كل يوم تقريبًا في ممرات فندق جراند النيل.
نفس الراجل الهادي.
نفس القميص الباهت.
نفس العربية الصغيرة اللي بيحط فيها أدوات التنظيف.
كانت أوقات بتعدي من جنبه من غير حتى ما تقول له صباح الخير.
مش غرور منها.
هي بس كانت عايشة في عالم مختلف.
عالم فيه اجتماعات، ومؤتمرات، وأطباء، ومحامين، وحراس، وسواقين، وسفر، وملايين.
لكن بنتها…
كانت عايشة في عالم تاني تمامًا.
عالم صغير مليان خوف.
مريم من وهي عندها خمس سنين وهي بتتعامل مع رجليها كأنهم أعداء.
بعد الحادثة، الدكاترة قالوا إن الإصابة مش معناها إنها مش هتمشي.
قالوا إن عضلاتها محتاجة تدريب.
قالوا إن التوازن محتاج وقت.
لكن الوقت عدى.
شهر.
سنة.
سنتين.
ومريم فضلت خايفة.
كل ما تحاول تقوم، تقع.
كل ما حد يشجعها، تبكي.
وكل مرة سيرين تحاول تساعدها، بنتها كانت تتمسك فيها أكتر.
لحد ما العلاج الطبيعي بقى جزء من حياتهم اليومية.
ومع ذلك…
ولا دكتور قدر يخلي مريم تاخد عشر خطوات كاملة لوحدها.
إلا النهارده.
قدام مئات الناس.
وبسبب راجل ما حدش كان يعرف عنه حاجة.
سيرين بصت لكريم وقالت بصوت متقطع
إنت… إنت اللي علمتها؟
كريم قام ببطء.
عدل ياقة قميصه، وبص لمريم الأول قبل ما يرد.
هي اللي علمت نفسها.
سيرين هزت راسها.
لأ. مريم قالت إنك إنت اللي علمتها.
كريم ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا بس قلت لها إزاي تركز.
من إمتى؟
سكت.
من إمتى يا أستاذ كريم؟
الراجل بص حواليه.
الناس كلها كانت بتتفرج.
رجال أعمال.
صحفيين.
موظفين.
حراس.
حتى الموسيقيين وقفوا يبصوا.
قال
من كام شهر.
سيرين اتصدمت.
كام شهر؟!
مريم مسكت في إيد كريم.
وقالت
من أول يوم وقعت فيه قدامه.
سيرين بصت لبنتها.
وقعتي قدامه فين؟
مريم أشارت للممر.
هنا.
كريم قال بهدوء
كانت بتجري ورا الكورة بتاعتها. وقعت. كل الناس حاولت تشيلها، بس هي كانت بتعيط وبتقول محدش يلمسني.
سيرين بلعت ريقها.
دي فعلًا عادة مريم.
بعد الحادثة، كانت بتكره إن حد يشيلها فجأة.
كريم كمل
أنا ما لمستهاش.
ليه؟
عشان هي قالت محدش يلمسني.
سيرين بصت له باستغراب.
وبعدين؟
قعدت على الأرض بعيد عنها، وفضلت أكلمها.
مريم ابتسمت.
قالي إن الخوف بيخلّي الجسم ينسى اللي هو عارفه.
سيرين بصت لكريم تاني.
الجملة دي…
مش جملة عامل نظافة عادية.
لكنها تجاهلت الإحساس الغريب اللي دخل قلبها.
قالت
إنت درست علاج طبيعي؟
كريم ضحك.
لأ.
طب إزاي عرفت تعمل معاها كده؟
قبل ما يرد، صوت جه من وراهم.
لأنه مش محتاج يدرس.
كان صوت ياسين.
طليق سيرين.
أبو مريم.
واقف بعيد، وملامحه متجمدة.
كريم بص له.
وللحظة قصيرة جدًا…
الاتنين اتعرفوا على بعض.
سيرين لاحظت.
إنتوا تعرفوا بعض؟
ياسين ما ردش.
كريم قال
لأ.
ياسين رد في نفس اللحظة
آه.
القاعة كلها بقت أهدى.
سيرين قامت.
يعني إيه؟
ياسين قرب.
بص لكريم من فوق لتحت.
وبعدين قال
إنت اسمك الحقيقي إيه؟
كريم ضيق عينيه.
كريم مراد.
مش ده اسمك.
سيرين حسّت بقشعريرة.
ياسين… إنت بتتكلم عن إيه؟
ياسين ما بصش لها.
كان مركز مع كريم.
أنا شفتك قبل كده.
كريم قال
ممكن تكون غلطان.
مستحيل.
ياسين قرب خطوة.
إنت

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *