محفظتي الضايعه

بنت عندها ٨ سنين فضلت واقفة قدام ناطحة السحاب بتاعتي في المطر الساقع اللي كان بيقرص، لمدة ساعتين تقريبًا، بس عشان ترجعلي المحفظة اللي أنا أصلًا ماكنتش واخد بالي إني ضيعتها.
لكن لما حاولت أكافئها بفلوس أكتر بكتير من اللي أهلها المحتاجين كانوا في أمسّ الحاجة ليها، هي زقّت الفلوس ناحيتي تاني وقالت جملة خلت كل حاجة أنا أملكها فجأة تحس إنها مالهاش أي قيمة.
اسمي أحمد منصور.
عندي ٦١ سنة، وكنت مالك أربع أبراج تجارية في القاهرة، وبشغّل مئات الموظفين، ولسه خارج من اجتماع خلاني أغنى بملايين الجنيهات زيادة.
بس ولا حاجة من كل ده كانت مهيّأني لمقابلة رناتا.
قال لي رئيس الأمن وأنا بعدّي من بهو البرج
يا فندم، البنت الصغيرة دي واقفة بره بقالها تقريبًا ساعتين. بتقول إنها مستنياك.
بصّيت من ورا الإزاز وشوفتها.
جسم صغير مستخبي تحت جاكت مطر أخضر أكبر من مقاسها بكتير، وحاضنة كيس بقالة على صدرها، والمطر بينزل بعنف على الأرض حواليها.
في اللحظة دي، حطيت إيدي في جيب الجاكت.
المحفظة كانت اختفت.
خرجت بسرعة.
سألتني
إنت الأستاذ أحمد منصور؟
هزّيت راسي.
فتحت الكيس وطلعت محفظتي الجلد القديمة، ومدّتها لي.
وقبل ما تسيبها من إيدها، بصّت في وشي وقارنته بالصورة اللي في البطاقة اللي جوه المحفظة.
كل حاجة كانت موجودة.
بطاقاتي.
أكتر من ٣٠ ألف جنيه كاش.
حتى الصورة القديمة الباهتة لبنتي اللي كنت مبعّد عنها، ياسمين، وهي بتضحك على شاطئ إسكندرية من سنين، قبل ما تقرر إنها ماتكلمنيش تاني.
سألتها
ليه ماطلعتيهاش للأمن؟
البنت كانت بتترعش من البرد وقالت
ماما بتقول لما تلاقي حاجة مهمة حد ضيّعها، لازم ترجعها لصاحبها.
دخلنا الكافيه اللي جنب البرج.
طلبت لها هوت شوكليت، وحطيت قدامها كام ورقة من فئة الألف جنيه على الترابيزة.
وقلت لها
دي عشانك.
فضلت باصة للفلوس شوية.
وبعدين قالت
لأ.
ضحكت تقريبًا من كتر ما أنا مش مصدق.
دي مكافأة.
هزّت راسها.
أنا ما رجعتش المحفظة عشان آخد فلوس.
أنا قضيت أربعين سنة من عمري وأنا بتفاوض مع ناس كل ما ياخدوا حاجة يطلبوا أكتر.
لكن الطفلة دي…
ما كانتش عايزة حاجة.
وفجأة، ظهرت أمها وهي بتجري وسط المطر.
مريم الدسوقي تقريبًا ماخدتش بالها مني أصلًا.
نزلت على ركبها، مسكت إيدين رناتا اللي كانوا متلجين من البرد، حطت إيدها على جبينها تطمن إنها مش سخنة، وبعدين لمست الجزمة المبلولة بتاعتها.
بعد شوية، طلبت من السواق بتاعي يوصلهم لحد بيتهم.
الشقة كانت صغيرة، والبرد فيها كان قارس.
الدفاية كانت بتعمل صوت غريب، كأنها ممكن تفصل في أي لحظة.
المطبخ كان شبه فاضي من الأكل.
وساعتها عيني وقعت على ورقتين متعلّقين على التلاجة.
إنذار بقطع النور والمرافق.
وإنذار إخلاء الشقة.
مريم لاحظت إني ببص عليهم.
قالت بسرعة
أنا مش بطلب منك حاجة يا أستاذ أحمد.
رديت عليها بهدوء
أنا عارف.
كانت مريم قضت ٨ سنين وهي بتشرف على عمال النظافة، قبل ما تخسر شغلها.
وفي نفس اليوم كانت رايحة تعمل مقابلة على شغلانة وردية ليلية بمرتب على قدّه جدًا.
فجأة فهمت حاجة هزّتني أكتر من أي خسارة في شغلي قابلتها طول حياتي.
رناتا رفضت فلوسي، وهي عارفة كويس جدًا إيه اللي مستنيها في البيت.
بصّيت تاني للصورة القديمة اللي جوه محفظتي.
لصورة ياسمين.
ولأول مرة من ٣ سنين…
سألت نفسي
يمكن أغلى حاجة الطفلة الصغيرة دي رجّعتهالي…
ما كانتش موجودة جوه المحفظة أصلًا.
الفصل الأول الحاجة اللي ماكنتش جوه المحفظة
فضلت واقف قدام باب الشقة بعد ما مريم قفلت وراها.
مش عارف ليه ما مشيتش.
السواق كان مستني تحت، والمطر لسه بينزل، والساعة كانت قربت على عشرة بالليل، وأنا المفروض أكون في بيتي من زمان.
بيتي اللي مساحته أكبر من العمارة كلها اللي مريم عايشة فيها.
بس لأول مرة في حياتي، حسيت إن المكان اللي رايح له مش بيتي.
بصيت على الباب الخشب القديم.
وبعدين بصيت على إيدي.
إيدي اللي كانت من شوية بتحط فلوس قدام طفلة عندها تمن سنين، وأنا متخيل إن الفلوس دي ممكن تصلّح أي مشكلة.
كنت غلطان.
رناتا كانت قاعدة جوه، ومريم بتحاول تنشف شعرها بفوطة صغيرة.
سمعتها بتقول
ماما، أنا بردانة.
ردت مريم وهي بتدور على بطانية
هجيبلك البطانية يا حبيبتي.
وبعدين سمعت صوت رناتا
ماما… هو الأستاذ أحمد زعلان عشان ماخدتش الفلوس؟
وقفت مكاني.
مريم ردت
لأ، أكيد لأ.
بس هو كان مستغرب.
عادي يا رناتا.
سكتت البنت شوية، وبعدين قالت
أنا بس ماينفعش آخد فلوس مش بتاعتي.
الجملة دخلت جوايا بشكل غريب.
أنا قضيت سنين طويلة أسمع كلام عن النزاهة والشرف والأمانة من ناس بعدها بدقايق بتطلب عمولات تحت الترابيزة.
كنت فاكر إن الأمانة كلمة كبيرة بتتقال في الاجتماعات.
لكن رناتا قالتها وهي لابسة جاكت مبلول أكبر من جسمها.
رجعت وخبطت على الباب.
مريم فتحت، ولما شافتني اتوترت.
نسيت حاجة يا أستاذ أحمد؟
هزيت راسي.
أيوه.
بصت ورايا.
إيه؟
قلت
نسيت أقولك شكرًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
إحنا اللي لازم نشكرك.
على إيه؟
إنك وصلتنا.
بصيت لرناتا.
كانت متغطية بالبطانية، وممسكة الكوباية بإيدين صغيرين.
قلت لها
رناتا.
رفعت عينيها.
نعم؟
إنتِ كنتِ واقفة قدام البرج ساعتين عشان المحفظة؟
هزت راسها.
آه.
ماخوفتيش؟
من إيه؟
المطر… الناس… إن حد يضايقك؟
فكرت شوية وقالت
كنت بخاف كل شوية.
ضحكت.
أمال وقفتي ليه؟
قالت ببساطة
عشان المحفظة مهمة.
سكت.
وبعدين سألتها
ولو كانت المحفظة فيها فلوس كتير؟
قالت
برضه.
ولو صاحبها ماكانش غني؟
برضه.
ولو كان فقير؟
قالت
يبقى أهم.
اتجمدت.
مريم بصت لها، وبعدها بصت لي.
أما أنا فحسيت بحاجة بتتفتح جوايا.
حاجة كنت قافل عليها من سنين.
قلت
مين علمك الكلام ده؟
ردت
ماما.
بصيت لمريم.
قالت وهي بتحاول تغير الموضوع
رناتا، كلي.
لكن البنت كملت
ماما بتقول إن الفلوس لما تدخل البيت من غير حق، بتطلع البركة منه.
البركة.
الكلمة دي ماكنتش موجودة في قاموسي من زمان.
أنا كنت أعرف أرباح.
خسائر.
استثمارات.
عقود.
صفقات.
ملايين.
لكن بركة؟
لأ.
دي حاجة ماكنتش بحسبها.
سألت مريم
إنتِ فعلًا رفضتي الفلوس؟
قالت بهدوء
ما رفضتهاش أنا. بنتي هي اللي رفضتها.
بس إنتِ محتاجة.
ابتسمت ابتسامة فيها وجع.
كلنا محتاجين.
عندك مشكلة مع إن حد يساعدك؟
لأ.
أمال؟
سكتت شوية.
أنا عندي مشكلة مع إني أربي بنتي على إن الفقر معناه إننا ناخد أي حاجة تتعرض علينا.
الجملة دي خلّتني أسكت.
ما لقيتش رد.
بعد ثواني قلت
طيب لو المساعدة مش مقابل المحفظة؟
بصت لي بحذر.
تقصد إيه؟
لو عرضت عليك شغل.
شغل؟
آه.
ليه؟
لأني محتاج حد أمين.
ضحكت بخفة.
إنت عندك مئات الموظفين يا أستاذ أحمد.
وعشان كده عارف قيمة الشخص الأمين.
سكتت.
قلت
مش هطلب منك حاجة غير إنك تيجي بكرة مكتبي نتكلم.
أنا عندي مقابلة شغل بكرة.
فين؟
قالت اسم شركة تنظيف صغيرة.
ممكن تروحي المقابلة.
وهروح.
وبعدين تعالي عندي.
بصت لي باستغراب.
ليه؟
عشان أقولك على الشغل.
لو مرتبها أعلى، يبقى أنا كده بختار عشان الفلوس.
قلت
مش شرط.
ردت
أنا عايزة شغل يناسبني.
وهنشوف.
قمت.
قبل ما أمشي، رناتا نادتني.
أستاذ أحمد.
نعم؟
الصورة اللي في المحفظة دي… بنتك؟
وقفت.
آه.
اسمها إيه؟
ياسمين.
ابتسمت.
حلوة.
ابتسمت من غير ما أحس.
كانت حلوة.
رناتا عقدت حواجبها.
كانت؟
ماعرفتش أرد.
قلت
تصبحي على خير.
خرجت.
لكن وأنا نازل السلم، صوت رناتا فضل في ودني
كانت؟
رجعت مكتبي تاني يوم بدري.
مع إني كنت طول عمري بكره الشغل الصبح بدري.
دخلت مكتبي، حطيت المحفظة على المكتب.
فتحتها.
طلعت صورة ياسمين.
كانت عندها سبعتاشر سنة وقتها.
شعرها مربوط.
بتضحك.
وأنا واقف جنبها على البحر.
كنت لسه فاكر اليوم ده بالتفصيل.
ياسمين كانت عايزة تسافر مع صحابها.
أنا رفضت.
هي زعلت.
وبعدين قالتلي
إنت شايف إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.
رديت عليها وقتها
على الأقل بتخليني أقدر أوفرلك كل حاجة.
قالت
أنا مش عايزة كل حاجة يا بابا.
وسابتني.
بعدها بسنة حصلت الخناقة الكبيرة.
هي اتهمتني إني دمرت حياتها بعد ما رفضت جوازها من شاب كانت بتحبه.
أنا اتهمتها إنها بتتصرف بطيش.
الكلام كبر.
هي خرجت من البيت.
وبعدها بدأت المكالمات تقل.
لحد ما اختفت.
آخر مرة سمعت صوتها كانت من تلات سنين.
قالت
أنا مش محتاجة فلوسك.
وأنا، بغبائي، رديت
براحتك.
وقفلنا.
ولا واحد فينا اتصل بعدها.
رميت الصورة على المكتب.
سمعت خبط.
دخل مدير مكتبي.
صباح الخير يا فندم.
مريم الدسوقي جت؟
بص لي باستغراب.
مين؟
الست اللي كانت

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *