بشتري بضاعه لمحل الملابس ج2

منى السيد

نفسه في حضني
ماما! وحشتيني، راسك بتوجعني شوية بس خلاص بطلت أعيط لما تيتة جابتلي اللعبة الصبح قبل ما تسافري!
ضميته لصدري بقوة، شميته وكأني بتنفسه لأول مرة. حسيت بنبضات قلبه الصغيرة، ودموعي نزلت على كتفه، بس المرة دي كانت دموع شكر لربنا إنه حماه ونجاه من كل شر.
بصيت لبنتي اللي كانت واقفة بعيد، وقولتلها
تعالي يا منى، تعالي في حضني يا بنتي. أنتي كنتي بميت راجل النهاردة، لولا نبهتك ولولا إنك فتحتي عينك وكنتي واعية، كان زمان البيت ده متخرب وأم محمد راكبة فوق ضهورنا ومحدش قادر ينزلها.
منى جت واترمت في حضني وهي بتبتسم
أنا كنت خايفة عليكي يا ماما، بس تيتة قالتلي استني لما أمك تهدى واحكي بالراحة عشان متنهارش.
قعدنا كلنا في الصالة، والبيت اللي كان مليان صراخ وتوتر من ساعات قليلة، رجع يهدى ببطء.
بس الهدوء ده مكنش كامل كان لسه في حتة ناقصة.
تليفوني رن، كان جوزي بيتصل من شغله في الوردية المسائية.
رديت عليه وصوتي كان هادي ورزين
أيوة يا أحمد
أحمد اتكلم بقلق واضح في نبرته
ها يا أم أحمد؟ عملتي إإيه؟ روحتي لأمي؟ متعمليش مشاكل يا بنت الناس، أمي ست كبيرة، وإحنا مش عارفين ظروفها إيه، أنا قلبي واكلني عليكي وعلى الولد وواقف في الشغل مش على بعضي!
خدت نفس عميق وبصيت لحماتي اللي كانت بتلاعب ابني وبتضحك معاه، وقولت لجوزي بصوت كله فخر وامتنان
أمك ست الكل يا أحمد، أمك حمت ابنك وحمتني وأنا في طريقي، والبيت ده ملهوش بركة ولا أمان غير بوجودها فيه. لما ترجع بالسلامة هحكيلك على كل حاجة، بس كل اللي عايزاك تعرفه دلوقتي إن ابنك بخير، وأنا وأمك وبنتك قاعدين سوا، ومفيش بيننا غير كل خير ومحبة.
أحمد سكت ثانية وكأنه مكنش مصدق، وبعدين اتنفس براحة وقال
الحمد لله يا رب ربنا ما يحرمني منكم ولا يفرق بينكم أبدًا، أنا ساعتين وأكون عندكم في البيت.
قفلت معاه، وقبل ما أقوم أعمل لحماتي كوباية يانسون تهدي بيها أعصابها، الباب خبط خبطة واحدة هادية جدًا.
بصيت لحماتي، وحماتي بصتلي بابتسامة نصر خفيفة وقالت
قومي يا بتي شوفي مين، شكل الأمانة رجعت لأصحابها قبل ما يعدي الليل.
مشيت ناحية الباب وفتحته ببطء.
كان واقف برة عم سيد، جوز أم محمد، راجل مهدود الحيل وشكله مكسور، عينه في الأرض ومش قادر يرفعها في عيني. وفي إيده كان ماسك ظرف أبيض مقفول.
مد إيده بالظرف وهو بيتكلم بصوت واطي ومحروج لدرجة إنه مكنش باين
حقكم عليا يا أم أحمد وحق الحجة فاطمة فوق راسي من فوق. الولية اتجننت في عقلها والشيطان ركبها والزنقة عمت عينها. الفلوس أهي كاملة مكملة، الأربعة آلاف ونص بتوعكم في الظرف، وعليهم اعتذار مني ومن بيتي كله لحد ما نموت. أرجوكم بلاش فضايح، وبلاش محاكم وقسم، إحنا مستورين بالعافية ومش حمل كلمة واحدة في حقنا وسط الناس.
بصيت للظرف وبصيت لعم سيد. حسيت بشفقة خفيفة على الراجل اللي ملوش ذنب غير إنه اتجوز واحدة خبيثة وطماعة، بس مكنش ينفع أتهاون.
أخدت الظرف من إيده، وقولتله بلهجة صارمة
الفلوس دي حقنا وحق الحجة فاطمة، وإحنا مش بتوع فضايح يا عم سيد، ولا بنحب نأذي حد. بس كلمتك وربايتك لبيتك هي اللي هتحكم الجيرة اللي بيننا. من النهاردة مفيش رجل تدخل هنا من بيتكم، ولا في كلام ولا سلام، كل واحد في حاله، وبابكم مقفول عليكم وبابنا مقفول علينا. ولو لمحت أم محمد بتبص بس ناحية عيالي أو بتجيب سيرتنا في الشارع، الظرف ده مش هيحميها من البوليس المرة الجاية.
الراجل هز راسه بسرعة وقال
من عنيا الاتنين يا أم أحمد، حقك تطلبي أكتر من كده، وأوعدك مش هتشوفوا وشها تاني أبدًا.
لف الراجل ونزل مطأطأ الراس، وقفلت الباب ورايا وربست الترباس كويس.
رجعت الصالة، حطيت الظرف في إيد حماتي
حقك رجعلك يا ست الكل، والفلوس اللي دفعتها رجعت، وربنا نصرنا على الغدر في ليلة واحدة.
حماتي فتحت الظرف وطلعت منه الفلوس بتاعتها، وزقت الباقي ناحيتي
خدي فلوسك يا بنتي حطيها في بضاعتك، وربنا يباركلك في رزقك وفي ولادك. الليلة دي كانت درس لينا إحنا الاتنين، عشان نعرف إن البيوت اللي حيطانها مبنية على المحبة والتسامح، مفيش أي ريح غدر تقدر تهدها، مهما كان كيد الناس ومهما كانت شياطين الإنس حوالينا.
قعدت جنبها، وابني حط راسه في حجري ونام بهدوء، وبنتي قعدت جنب تيتة تسندها.
حسيت في اللحظة دي إن كل التعب والخوف اللي عشته على مدار اليوم اتبدل براحة غريبة، راحة ميعرفهاش غير اللي كان على وشك يخسر كل حاجة في لحظة غضب، وفجأة ربنا نور بصيرته ورجعله أهله وبيته وأمانه.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *