هديه طقم كريستال لبنت اخت جوزي ج١
منى السيد
كان فاضح أكتر من أي كلام.
حماتي اتلجلجت، وأخت جوزي وشها احمر، وبدأت تلف وتدور أصل.. أصل بصراحة يا طارق.. القاعة صغيرة قوي، والعريس حاجز عدد كراسي محدود على قد المعازيم بالظبط.. والقاعة بالبطاقات، يعني كروت على الفرازة، فإحنا قولنا إنت ومراتك وعيالك تباركوا هنا في البيت براحتكم، وإبراهيم ينزل معانا يمثل العيلة هناك عشان هو معاه عربية وهيودي الحريم.
القاعة؟!
الكلمة طلعت من بق جوزي وكأنها بتشق صدره. وقف مشلول مكانه. قاعة إيه يا أميرة؟ إنتوا قولتولي الفرح هنا في البيت عشان الظروف، قولتولي مفيش قاعات ومفيش مصاريف، وخليتوا إبراهيم وسلايفي يجهزوا للقاعة، وأنا وعيالي منعرفش؟ أنا الخال الكبير متمنعش من فرح بنت أختي؟!
أخته رفعت حاجبها وردت بوقاحة خلاص مبقاش وراها خوف أيوه، العريس قال المعازيم اللي هيدخلوا القاعة يكونوا ناس واجهة، ناس تشرف قدام أهله، إنت جاي بقميص خفيف وبنتك ممعهاش فستان سواريه، هتدخلوا تقعدوا وسط الناس تعملوا إيه؟ تصغرونا قدام أهل جوز بنتي؟ كفاية طقم الكاسات اللي جابته مراتك، كتر خيركم، باركتوا وكلتوا الواجب، اتفضلوا بقى عشان العربيات مستنية تحت والعروسة زمانها جاية من البيوتي سنتر عشان نتحرك على القاعة!
في اللحظة دي، حسيت إن جوزي روحه بتتسحب منه. بص لأمه عشان يلقى فيها ريحة الأمومة، يلقى فيها الستر، لقاها بتبص الناحية التانية وبتقول اسمع كلام أختك يا طارق، وبلاش تعمل فضيحة في الشارع في ليلة البت، الناس هتقول إيه؟ روح بيتك يا ابني، وابقى بارك للعريس لما يستقروا.
جوزي مكنش قادر يرفع عينه، بص في الأرض، شفت رجليه بترتعش. الراجل اللي عمره ما انكسر، الراجل اللي بيشتغل ليل ونهار وشايل هموم الدنيا فوق كتافه عشان ميمدش إيده لحد، أهله طردوه من فرحهم عشان مش واجهة!
أنا مكنتش قادرة أسكت أكتر من كده. الدم غلي في عروقي، نسيت خوفي، ونسيت إني مش عايزة أعمل مشاكل. خطيت خطوة لقدام، وبصيت لأخته في عينها، والصوت اللي كان مهزوز من شوية بقى زي الرعد واجهة؟! إنتي بتتكلمي عن الواجهة يا أميرة؟ مين اللي مش واجهة؟ أخوكي اللي لسه راجع من مرضه وواقف على رجليه عشان ميخليكيش ناقصك حاجة؟ أخوكي اللي لقمته كانت بتتقسم بينك وبينه لما كان جوزك مسافر ومحدش سائل فيكي؟ طقم الكاسات اللي مش عاجبك ده، تمنه عرق راجل شقيان، ومن بيت أبويا اللي علمني الأصول اللي بيتك ميعرفش عنها حاجة!
حماتي صرخت اخرسي يا قليلة الأدب! بتعلي صوتك في بيتنا؟
رديت عليها وأنا مش شايفة قدامي بيتكوا ده اللي داخلينه بالحب والأصول، اتملى سواد وغدر! طارق مش هيقعد هنا دقيقة واحدة، ومش هيدخل قاعتكم دي حتى لو فرشتوهاله دهب! يلا يا طارق، يلا يا أبو ولادي، كرامتك تسوى الدنيا واللي فيها، وإحنا مش شحاتين على أبوابهم!
مسكت إيد جوزي. كانت إيده باردة زي التلج، عضلات وشه مشدودة وعينيه محبوس فيها غضب لو انفجر يحرق الأخضر واليابس. سحبته وخرجنا، نزلنا على السلم، وأصواتهم ورانا بدأت تعلى بالشتيمة والتلقيح، بس مكنش فارق معايا حاجة غير الراجل اللي ماشي جنبي ساكت، سكوت يخوف أكتر من أي زعيق.
نزلنا الشارع، العيال كانوا ماشيين ورانا ساكتين، عيونهم مليانة خوف واستغراب. جوزي مشي في الشمس، مكنش باصص يمين ولا شمال، خطوته كانت تقيلة كأنه شايل صخرة. مشينا لحد ما وصلنا بيتنا.
أول ما قفلنا باب الشقة ورانا، جوزي قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه، وسمعت صوت مكنتش أتخيل إني أسمعه في حياتي.. سمعت صوت شهقة طالعة من قاع روحه، جوزي بيبكي. راجل طول بعرض، بيبكي بحرقة وكسرة تفتت الحجر.
قعدت على ركبي قدامه، مسكت إيديه وحاولت أرفع راسه حقك عليا أنا، فدا رجليك، والله ميسووا ضفرك، متعملش في نفسك كده، إنت سيد الرجالة كلهم، ومحدش يقدر يقلل منك!
رفع وشه، والدموع مغرقة عينيه وخدوده، وبصلي بصوت متقطع أنا يا أم فلان؟ أنا أختي تطردني؟ أنا أمي تقولي بلاش تعمل فضيحة ومتروحش القاعة عشان مش واجهة؟ ده أنا كنت ببات من غير عشا عشان أجيبلها جهازها لما كانت بتتجوز! ده أنا كنت باخد من لحم الحي عشان عيالها ميبقوش أقل من حد! طقم الكاسات اللي إنتي جبتيه من دهب أبوكي، يعايروني بيه؟ ويقولوا العريس عايز ناس تشرف؟! هو أنا بقيت عار عليهم؟
قلبي كان بيتقطع مع كل كلمة بيقولها، بس فجأة، مسح دموعه بكم قميصه بعنف، ملامح وشه اللي كانت مكسورة، اتحولت لملامح تانية خالص.. ملامح عمري ما شفتها فيه طوال سنين جوازنا. عينيه اللي كانت بتبكي، بقى فيها شرار غريب، ونظرة برود تخوف.
قام وقف على حيله، صوته بطل يترعش، وبقى هادي.. هدوء ما قبل العاصفة.
بصلي وقال بصوت واطي ومسموع هما عايزين يشوفوا مين الواجهة ومين العار؟ عايزين يشوفوا طارق اللي ميعرفش يجيب غير كاسات؟
قلتله بقلق طارق، هتعمل إيه؟ اهدى عشان خاطري، بلاش تضيع نفسك عشان ناس ميسووش!
مردش عليا، دخل أوضة النوم، وسمعت صوت درف الدولاب بتتفتح بعنف. جريت وراه لقيته بيفتح الخزنة الصغيرة القديمة اللي في قعر الدولاب، الخزنة اللي مبيفتحهاش غير للورق المهم وعقود البيت القديم. طلع منها ظرف بني مقفول بقاله سنين، وطلع تليفونه من جيبه وطلب رقم.
حط التليفون على ودنه، واستنى
لحظات، وبعدين قال بصوت حاسم وجامد زي الحديد ألو.. إزيك يا حاج مرسي.. معاك طارق. الورق اللي كنت مكلمني عليه بخصوص أرض الورثة والمخزن اللي على الشارع الرئيسي، العرض لسه قائم؟.. تمام، أنا موافق أبيع، بس بشرط واحد.. التنفيذ والشيكات تخلص خلال ساعتين من دلوقتي، وعايزك تيجي معايا مشوار صغير الليلة دي.. مشوار في قاعة كذا، عشان نخلص البيعة قدام العيلة كلها.. أيوه، قدام العيلة كلها!
قفل السكة، وبصلي وهو بيحط الظرف في جيب جاكيت كان معلقه في الدولاب من سنين، جاكيت غالي جداً كان شيلوا لمناسبات مبتحصلش. بص في المراية وعدل ياقته، وابتسم ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقي.
بصلي وقال البسي أحسن حاجة عندك يا أم فلان، وجهزي العيال ولبسيهم أحسن ما عندهم.. الفرح لسه مبدأش، والواجهة الحقيقية لسه هتدخل القاعة دلوقتي!