شقايا مش حلالك ج٢

منى السيد

لمحة نيوز

وهدت وهم الجوازة دي للأبد.
الجزء الثاني
وقفت سيلا متيبسة ورا الستارة، حتى النفس اللي طالع ونازل من صدرها كانت حابسة صوته بالعافية. إيديها متشبثة ببرطمان المخلل كأنه طوق نجاة، لكن جواها كان كل حبل مشدود خلاص وعلى وشك يتقطع.
مروان كان لسه واقف في البلكونة، صوته واطي، بس الهدوء اللي ساد فجأة في الصالة خلى كل حرف يوصل لودنها واضح وناشف.
متقلقيش يا حبيبتي، قولتلك عملتلك المفاجأة اللي كان نفسك فيها.. الغويشة نازلة على مقاس إيدك بالمللي، عيار 21 وتملى العين، نقشتها هتعجبك أوي.
سيلا غمضت عينيها، وضربات قلبها بتدق في نفوخها زي المطرقة.
مروان كمل وهو بيضحك ضحكة مكتومة، نفس الضحكة الصفرا اللي بتستفزها دايماً لا يا ستي، هي مش داريانة بحاجة خالص. دي تايهة بين الصواني والحلويات ومصدقة إني جبتلها طاسة تيفال ومبسوطة بيها عشان هتنفعها في المطبخ! أنتي عارفة عقلها صغير وإزاي بتصدق وتفرح بأي هبل. حقك إنتي اللي يرجعلك يا حبيبتي، ده أنتي ست الكل، والغويشة دي أقل حاجة عشان ترضي عن ابنك وتدعي له. أول ما تدخلي البيت وتبوسيني هحطهالك في إيدك قدام الكل وأقولهم دي هدية بر الوالدين من شقايا.
في اللحظة دي، حست سيلا كأن حد رمى عليها جردل مية تلج، وبعدها بدقيقة ولعت في عروقها نار مش هتنطفي.
الصدمة مكنتش خيانة ست تانية بالمعنى المفهوم، دي خيانة أوسخ وأقذر بكتير. خيانة راجل عايش في خيرها، بيستغل تعبها وشقاها ليل مع نهار، عشان يروح يشتري دهب لأمه بفلوسها هي، ومن ورا ضهرها، ومش بس كده، ده كمان بيبيعها ويقلل منها عشان يعمل بطل في عينين أمه اللي مابتبطلش تسمم عيشتها وتعايرها بإنها بنت ناس غلابة!
سيلا ضغطت على سنانها لحد ما فكها وجعها. لفت ورجعت للمطبخ بخطوات تقيلة وباردة. حطت برطمان المخلل على الرخامة، ووقفت تبص على الفاتورة اللي في جيبها.
22 ألف جنيه اتسحبوا في لحظة من كارت التوفير بتاع شغلها. الكارت اللي كانت محوشة فيه قرش على قرش من كل تورتة زوقتها، ومن كل ليلة نامت فيها وهي ضهرها مكسور من الوقفة قدام الفرن في عز الحر، عشان كانت ناوية تشتري العجان وتوسع شغلها وتبني كيان لنفسها. وفي الآخر، مروان بيه قرر يكافئ أمه على حساب كرامتها وتعبها، ويصغرها قدام عيلته عشان يتقال عليه ابن أصول وبار بأمه!
أول فكرة خطرت على بالها كانت إنها تخرج، ترمي الفاتورة في وشه، وتفضح أمره وتقل السفرة باللي عليها. لكن صوت تاني جواها قالها لا يا سيلا.. الغضب الأعمى بيضيع الحق. اللي يلعب معاكي في الضلمة، اكشفيه في عز النور.
مسحت سيلا إيديها في الفوطة، ورجعت ملامح وشها هادية ومحايدة تماماً. الهدوء اللي بيجي قبل الطوفان.
بعد نص ساعة، رن جرس الباب رنات متتالية وسريعة، الرنة المميزة لحماتها نادية وبناتها الاتنين اللي جايين وراها.
مروان طار على الباب كأنه مستني موكب رسمي يا ألف أهلاً يا ست الكل، يا مرحب يا أمي، البيت نور!
دخلت نادية، ست في أواخر الخمسينات، لابسة العباية السودا المطرزة وشايلة شياكتها اللي معتمدة على التكبر، وعينيها بتدور في الشقة كأنها مفتش نازل تفتيش مفاجئ. وراها دخلت هناء وسها، بناتها، كل واحدة فيهم رافعة مناخيرها في السما.
منور بصحابه يا مروان، أومال الهانم فين؟ ولا نايمة لسه؟! قالتها نادية بصوت عالي وهي قاصدة تسمّع اللي في البيت كله.
سيلا خرجت من المطبخ، مريلتها مربوطة مظبوط، وابتسامة باردة مرسومة على شفايفها أهلاً يا حماتي، كل سنة وحضرتك طيبة، نورتوا بيتي.
نادية بصت لسيلا من فوق لتحت بقرف، كأنها بتعاين واحدة بتشتغل بالساعة بيتك؟! بيت ابني يا عنيا. شقى مروان وتعبه هو اللي عامله، انتي بس تخدمي فيه وتخلي بالك من النعمة اللي انتي فيها دي عشان متزولش من وشك.
هناء وسها ضحكوا بسخرية وقعدوا على الكنب الفخم، ومدوا رجليهم ولا كأنهم في فندق.
مروان كان واقف مبتسم بأريحية، كأنه مبسوط من كلام أمه ومش شايف فيه أي إهانة لمراته اللي دفعت نص تمن الشقة دي من لحم كتافها والشهود على عقود الأقساط عارفين مين اللي بيسدد.
نادية حطت شنطتها على الترابيزة وقالت يلا بقى يا سيلا، عايزين نتغدى. الريحة طالعة من الصبح والواحد عصافير بطنه بتصوصو، جهزي السفرة وغرفي للرجالة والعيال الأول.
سيلا بصت لمروان بهدوء حاضر يا حماتي، السفرة جاهزة من ساعة، بس مستنياكم تشرفوا.
راحت سيلا على المطبخ، وبدأت تطلع الصواني البط بالبرتقال المتحمر بلونه الدهبي، الفخدة الضاني اللي دايبة دوب، الرقاق المقرمش، وأطباق المحاشي المشكلة اللي ريحتها قالية الشقة كلها. كانت ريحة الأكل تفرح القلب، بس قلب سيلا كان بيغلي.
دخل مروان المطبخ عشان يشيل صينية الرقاق، وهمس في ودن سيلا بلهجة جافة زي ما قولتلك الصبح، مكانك مش وسطينا. أنتي تقفي ورا الكراسي، تشوفي اللي ناقصه مخلل، اللي عايز شوربة، اللي عايز عيش، تفضلي واقفة على خدمتهم لحد ما يشبعوا ويقوموا.. وبعدين تلمي السفرة وتاكلي من اللي يتبقى في الحلل براحتك. مش عايز أمي تشوفك قاعدة جنبها كأنك نديدة ليها، فاهمة؟!
سيلا بصت في عينيه مباشرة، من غير ما ترمش. مكنش في عينيها انكسار ولا دمعة، كان فيه نظرة خلاّته يرتبك للحظة ويسكت.
قالت له بنبرة صوت عادية جداً فاهمة

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *