شقه للبيع ج٢ منى السيد

٢٩٠ ألف، وتتسدد ويترفع الحجز، وتستردوا عقد الشقة الأصلي.
ونجيب منين ٢٩٠ ألف جنيه في أسبوعين؟ سارة قالتها بيأس.
سكتت لحظة، وبصيت للأوضة بتاعتي.
أنا معايا الفلوس دي.
الكل سكت وبصلي بذهول، حتى رشدي رفع راسه وعينيه مبرقة
معاكي منين يا عفاف؟
معايا ورث أبويا اللي سبتهولي في البنك من ست سنين، ومكنتش راضية أقرب منه ولا أقولك عليه عشان كنت حاسة، قلبي كان قارصني من زمان إنك مابتحفظش على نعمة.. كنت شايلاهم للزمن، عشان لما بناتي يحتاجوا حاجة ميمدوش إيدهم، وعشان لما أعجز وأمرض ما استناش منك تجيبلي الدوا بالعافية.
رشدي قام وقف، ومد إيده كأنه عايز يمسك إيدي
يا عفاف.. ربنا يباركلك، والله العظيم هكتبلك بيهم شيكات، وهسددهم قرش قرش من معاشي، ومش هطلب منك..
اقعد مكانك وماتمدش إيدك قاطعتها بصوت قاطع خلاه يرجع خطوة لورا.
أنا هدفع للبنك، بس مش عشان سواد عيونك يا رشدي، ولا عشان أصلح خيبتك. أنا هدفع عشان الشقة دي شقايا، والستاير دي أنا اللي مفصلاها، والزرع اللي في البلكونة أبويا هو اللي حاطه، وعيالي اتولدوا وكبروا هنا.. مش هسيب عيل نصاب ياخد حيطة من الحيطان دي، ولا هسيب الناس تتفرج علينا في مزاد علني.
اللي تشوفيه يا عفاف، أعمل أي حاجة، والله العظيم اللي تأمريني بيه.
اللي أشوفه إننا بكرة الصبح، أول ما الشهر العقاري يفتح، هنروح سوا أنا وإنت وطارق.
نعمل إيه؟
هتتنازل عن الشقة دي بيع وشرا نهائي وبات، ليا ولبناتك، ميبقاش ليك فيها قيراط واحد، وملكش حق التصرف في أي طوبة فيها.. الشقة تتكتب باسمي أنا وسارة ومريم بالتساوي. ونطلع من هناك على البنك، نسدد المبلغ كاش وناخد مخالصة ونستلم عقد الشقة الأصلي يفضل في إيدي أنا.
رشدي فتح بقه كأنه عايز يعترض، الكبرياء القديم اتحرك جواه ثانية
يعني أتنازل عن ملكي كله؟ وأبقى قاعد في بيتي ضيف؟
إنت ضيعت ملكك خلاص لما مضيت على القرض، إنت دلوقتي ملكش حاجة غير الحبس لو مسمعتش الكلام.. وبعدين بيتك إيه؟ هو إنت فاكر بعد ما الموضوع ده يخلص إننا هنفضل متجوزين؟
الأوضة كلها سكتت. سارة شهقت وحطت إيدها على بقها
ماما!
متقاطعيش يا سارة. أنا قعدت مع أبوكي سبعة وعشرين سنة، استحملت بخله، واستحملت نكده، واستحملت تحكماته وقولت راجل وبيحافظ على قرشه. لكن يخوني؟ يتفق مع أختي من ورا ضهري؟ يصور أوضة نومي وينزلها في إعلان على فيسبوك ويبيع بيتي ويهددني بالشارع عشان طمعه؟ لأ لحد هنا وخلاص. أنا ست عندي تمانية وأربعين سنة، واللي باقي من عمري مش هعيشه خايفة من الراجل اللي نايم جنبي.
رشدي كان وشه بهتان زي الميتين. ملقاش كلمة تتقال، كل الدفاتر اتقفلت في وشه، وكل الطرق اتسدت.
ماشي يا عفاف.. اللي انتي عايزاه هعمله. بس متخربيش البيت..
البيت اتخرب يا رشدي من يوم ما دخلت عليه غريب يفرجه عشان يبيعه. إنت اللي خربته بإيدك.
تاني يوم الصبح، كانت الشمس لسه طالعة خجولة في شوارع مدينة نصر.
روحنا الشهر العقاري في الحي السابع، المكان كان زحمة والناس فوق بعض، ورشدي كان ماشي ورايا زي خيالي، مطبس راسه ومبيتكلمش. قعدنا قدام الموظف، ومضى، وبصم، ووقع على كل التنازلات، وعينيه كانت بتزوغ من الورق، حاسس إنه بيسلم آخر حاجة كانت مدياه قيمة في الدنيا دي.
من الشهر العقاري، روحنا على البنك. قابلنا مدير الشؤون القانونية، طارق اتكلم معاه بحرفنة، وطلعنا بخصم على الفوايد زي ما قال بالظبط، ودفعت الشيك المصدق من فلوس ورث أبويا.
لما الموظف سلمني العقد الأصلي بتاع الشقة، العقد الأصفر القديم اللي عليه دمغة الحكومة وشايلاه بقالي سنين.. حضنته على صدري زي ما بكون بحضن عيل من عيالي كان مخطوف ورجع.
خرجنا من البنك، الهوا كان ساقع شوية، رشدي وقف على الرصيف وبصلي
هتروحي فين دلوقتي؟
هروح بيتي.. بيت بناتي. وإنت يا رشدي تروح عند أختك ولا عند أي حد من معارفك، تيجي بكره وأنا مش موجودة، تاخد هدومك وحاجتك الشخصية بس، شنطة هدومك متزيدش عنها قميص، ومفتاح الباب تسيبه على الترابيزة. ورقة طلاقي توصلي على يد محضر خلال أسبوع، وإلا هرفع قضية خلع ومش هخلي حد في عيلتك ميعرفش الفضيحة دي.
مستنتش أسمع رده، شديت سارة من إيدها، وشاورنا لتاكسي وركبنا.
بصيت عليه من شباك التاكسي وهو واقف لوحده على الرصيف، عربيات رايحة وعربيات جاية، تايه وسط الزحمة ومحدش حاسس بيه، زي الشجرة اللي سوسها منها فنشفت ووقعت لوحدها.
لما وصلت البيت، فتحت الباب بالمفتاح بتاعي.
دخلت وريحة الشقة هي هي، بس حسيت إن النفس بقى خفيف، الكتمة اللي كانت في صدري من سنين بدأت تفك. دخلت الصالة، بصيت على الستاير اللي كنت مفصلاها بإيدي، الستاير اللي فضحونا بيها على النت.
قربت منها، وفككتها من الماسورة بهدوء، وطبقتها.
طلعت البلكونة، شوفت زرع بابا، سقيته بمية نضيفة، وفتحت الشبابيك كلها عشان أدخل هوا جديد.
سارة دخلت ورايا وقالت بصوت واطي
ماما، إنتي ندمانة؟
مسحت تراب السور بإيدي، وبصيت للسما الصافية فوق عمارات مدينة نصر، وابتسمت لأول مرة من تلات أيام
أندم على إيه يا بنتي؟ الست بتستحمل الفقر، وبتستحمل التعب، لكن متستحملش الغدر. الشقة رجعت لأصحابها، والعمر اللي باقي قليل أه، بس هعيشه في
النور.. من غير خوف، ومن غير كدب. النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *