اعتنيت باطفال اختي انجي الخطيب

زينب.. الروح الطيبة اللي في هدى هي اللي غدّت جسمك ورجعتلك شبابك. هي دلوقتي اللي نايمة تحت في السرداب، في قالب الشمع اللي كان المفروض يكون ليكي.
فتحت باب الشقة بجنون وعايزة أهرب، عايزة أصوت وألم الناس، بس أول ما خرجت للشارع، وقفت مكاني من الرعب. الشارع كله كان فاضي، والبيوت اللي حوالينا كانت عبارة عن تماثيل ضخمة من الشمع بتسيح تحت المطر. مكنش فيه عالم برا، كان فيه مجرد فراغ وتماثيل تانية كتير بتتحرك ببطء وتقرب من بيتنا.
ياسين وقف جنبي على الباب، حط إيده في إيدي وقال ببرود مرعب متحاوليش يا ماما.. مفيش حد برا بيسمع. إحنا العيلة الوحيدة اللي فاضلة في المكان ده، والنهاردة بالليل، هنبدأ نجمع خالات جداد لباقي الأخوات.
دخلت البيت وأنا بنهار، وقفلت الباب ورايا. بصيت لولادي التسعة اللي ربيتهم بدم قلبي، لقيتهم بيبتسموا ليا نفس الابتسامة اللي كان محمود بيبتسمها. قعدت على الكرسي وأنا حاسة ببرودة بتبدأ تسري في أطرافي، برودة الشمع اللي بيعلن سيطرته على آخر حتة في روحي.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.. خبطات هادية ومؤدبة. ياسين راح يفتح، وبصيت من بعيد، شفت ست واقفة برا، شايلة شنطة هدومها وبتبكي، وقالت بلوعة أنا هدى.. أخت زينب.. محمود كلمني وقالي إنكم محتاجين حد يراعيكم بعد الحادثة.
بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى اللي برا، هي الضحية اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.
تسمرت في مكاني، والصوت المكتوم اللي طالع من تحت الأرض كان بيزيد حدة، خبطات رتيبة ومنتظمة كأنها نبض قلب مجهد بيحاول يعافر عشان يطلع للنور. ياسين سحب إيدي وجرني وراه ناحية أوضته، كان بيتحرك زي الآلة، وشه خالي من أي تعبير غير الرعب الصافي. أول ما فتح الباب، ريحة غريبة ضربت في مناخيري، ريحة تراب قديم مخلوط بحاجة زي البخور بس تقيلة وتكتم النفس.
ياسين زق السرير بعزم ما فيه، وظهر تحتيه باركيه خشب مخلوع ومحطوط مكانه سجادة صلاة ة قديمة ومهلهلة. ياسين.. إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟ صرخت فيه وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لكنه مردش، وطى على الأرض وشال السجادة، وظهر تحتها باب خشب صغير سحارة مدهون بنفس لون الأرضية عشان ميتحسش بيه.
بقالها شهر بتنادي عليا يا خالتو.. كل ليلة، من بعد ما كملت ال 16، والصوت مبيسكتش قالها وهو بيشد الحلقة الحديد اللي في الباب. الخشب طلع صوت تزييق يقطع القلب، وفجأة ظهر قدامنا سلم ضيق ونازل لتحت في ضلمة كحل. الخبط وقف فجأة، وحل مكانه صوت نهجان تقيل، صوت حد بيحاول يفتكر إزاي يتنفس.
نزلت أول درجة ورجلي بتترعش، وياسين نور كشاف موبايله. السلم كان آخره أوضة صغيرة جداً، جدرانها متغطية بورق جرايد قديم من سنين فاتت، وفي الركن كان فيه سرير حديد مصدي وقاعدة عليه ست.. شعرها أبيض

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *