خطيب اختي ج٣

اماني السيد

رميت نفسي في حضنها ودفنت وشي في كتفها، ودموع السنين والخوف والذل اللي عشتهم دابوا كلهم في اللحظة دي، حاسة بقلبي بيرجع يتنفس من جديد بين دراعين أختي اللي طلعت بمية راجل من اللي كنت فاكراه يوم بني آدم.
بعد ما بابا خرج وسابنا في الأوضة، طارق شاورلي بإيده بنظرة طمأنينة ومشي وراه وسابنا على راحتنا، مريم فضلت قاعدة جنبي على السرير، ماسكة كفوف إيديا الاتنين بإيديها اللي كانت لسه بترتعش خفيف.
بصت في وشي وعينيها كانت حمرا ومنفوخة من كتر البكا، ملامحها البريئة كان باين عليها ألم صدمة حقيقية، بس مكنش ألم الفراق من وائل… كان ألم العتاب والحزن على اللي مريت بيه.
رفعت عينها في عيني، ونزلت دمعة سخنة على خدها، وقالت بصوت متقطع ومبحوح كله لوم وحنية:
“ليه يا نور؟ ليه مقولتليش من أول لحظة حط فيها رجله في بيتنا؟! ليه شيلتي الهم ده كله وبلعتي النار دي لوحدك؟!”
سكتت ودموعي غلبتني، مكنتش قادرة أرد، بس مريم كملت وهي بتضغط على إيدي بقوة كأنها بتلوم نفسها:
“كنتي بتشوفيه وهو بيمثل عليا الحب ويدلعني قدامك عشان يقهرك، وكنتي بتصوريني معاه بإيدك وتليفونك، وأنا الغبية اللي فرحانة وفكراه نصيبي ومفهمتش كسرة عينك ولا بهتان وشك! كنتي خايفة مني يا نور؟ فاكرة إني كنت هصدقه وأكذبك أنتي؟ ده أنتي أختي، ده أنتي اللي ربتيني بعد ماما! لو كنتي قولتِلي كلمة واحدة، كلمة بس، كنت تفيت في وشه وطردته برة حياتي من قبل ما يلمس حتى طرف صباعي!”
نزلت راسي في الأرض وأنا بنشج من العياط:
“كنت مرعوبة يا مريم… كنت خايفة عليكي تتكسري وإنتي لسه في أول فرحتك، وخايفة على اسمنا قدام بابا، وائل كان زي التعبان، هددني بالرسايل والصور وقال إنه هيجيب مناخيرنا الأرض ويفضحني… فكرت إني لو سكت واستحملت، أنتي هتعيشي مبسوطة وهو هيبعد عني وخلاص.”
مريم رفعت وشي بإيديها الاتنين ومسحت دموعي بطرف طرحتها، وهزت راسها بعنف:
“مبسوطة بإيه وبمين؟ بواحد ندل ورخيص كان داخل يستعملني كرباج يجلدك بيه؟! ربنا سترها ونور بصيرة طارق، الراجل اللي بجد، اللي كشفه وأنقذني من فخ كان هيدمر عمري كله. بس توعديني يا نور… توعديني عمرك ما تشيلي حمل ووجع زي ده في سرك تاني، إحنا ملناش غير بعض في الدنيا، ومفيش سر يتبنى عليه وجعك.”
رميت نفسي في حضنها ودفنت وشي في كتفها، ودموع السنين والخوف والذل اللي عشتهم دابوا كلهم في اللحظة دي، حاسة بقلبي بيرجع يتنفس من جديد بين دراعين أختي اللي طلعت بمية راجل من اللي كنت فاكراه يوم بني آدم.
مرت الشهور وكأنها بتمسح كل أثر للوجع اللي فات. اتجوزت أنا وطارق في ليلة كانت شبه الحكايات؛ يومها لبّسني نفس ديزاين الخاتم اللي كنت بتمناه، بس كان جايبه أقيم وأكبر، وباس راسي قدام الدنيا كلها وهو بيهمسلي: “مفيش حاجة تكسرك طول ما أنتي على اسمي”. عشت معاه أيام كلها أمان ودفا حقيقي، شفت فيه الراجل اللي يشيل ويصون، وعمري ما حسيت بذرة ندم واحدة، بالعكس، كنت بحمد ربنا في كل صلاة إنه نجدني من وحل وائل وكرمني بطارق.
أما وائل، فكانت أخباره بتوصلنا من بعيد؛ اتقفل بابه في العيلة وبقى معزول عن الكل ومكسور عينه، ملقاش من وساخته غير الخسارة والذل اللي حفره بإيده.
وفي يوم، كنت عند ماما في البيت بساعدها وبنقضي يوم إجازة سوا أنا وطارق، لقينا بابا داخل الصالة ووشه منور بابتسامة راحة ورضا، نادى علينا وقال:
“مريم… تعالي يا بنتي، في موضوع عايزك فيه.”
مريم طلعت من أوضتها مستغربة، قعد بابا وقال بكل هدوء:
“مهندس شغال مع عمك في الشركة، راجل محترم جداً، سأل عليكي وشافك يوم كتب كتاب نور، وكلمني النهاردة بطلب إيدك على سنة الله ورسوله، وأنا سألت عنه والكل بيحلف بأدبه وأصله الطيب… إيه رأيك نقعد معاه ونشوف؟”
مريم وشها احمر بكسوف وبصت في الأرض، وبعدين رفعت عينها وبصتلي أنا، نظرة مليانة نضج واطمئنان، ضحكت وقولتلها وأنا بحط إيدي على كتفها:
“اللي فات كان كابوس وراح لحاله يا مريومة، والمرة دي ربنا باعتلك النصيب اللي يستاهل قلبك الأبيض.”
طارق ابتسم وقال بحزم وأخوة:
“ولو طلع راجل وابن أصول وشاريكي، يبقى فرحك هيخرج من بيتي أنا ونور، وراسك مرفوعة للسما.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *