خطيب اختي ج٣

اماني السيد

فضلت باصة له وعيني مدمعة، الكلمات وقفت في حلقي من كمية المشاعر اللي حسيتها في اللحظة دي. الخوف اللي كان كابس على نفسي تلات سنين، اتبخر قصاد حماه ووقفته قدام أخوه، بس في نفس الوقت… ناره اللي كانت باينة في عينيه وهو بيحاصرني بنظراته خلت قلبي يدق في صدري زي الطبول.
مد إيده بتردد خفيف، صوابعه لمست طرف كمي كأنه بيطمن إني مش هبعد، ونزل صوته لدرجة همس كلها غيرة باينة وواضحة:
“الواطي ده مكنش بيقفل الباب عشان يهدد بس… هو مقهور عشان عارف قيمتك اللي ضيعها بغبائه، ومش هيستوعب إنك خلاص بقيتي بتاعتي أنا.”
بلعت ريقي بصوت مسموع، وهمست وأنا باصة في الأرض بكسوف ممزوج بوجع قديم:
“أنا… أنا مكنتش عايزة أورطك في مشاكلي يا طارق، هو مريض وممكن يعمل أي حاجة تؤذي أختي أو تفضحني.”
رفع دقني بصابعه برقة، وأجبر عيني تيجي في عينه، عينيه كانت ثابتة بحدة ورجولة متتهزش:
“أنتي متورطتنيش… أنتي اللي دخلتي قلبي غصب عني، ومكنش ينفع أشوفه بيمارس وساخته عليكي وأقف أتفرج. مريم أختك أمانة عندي زيها زي أختي، وحقك وحقها هيرجعوا في الوقت الصح. بس دلوقتي… عايزك تمسحي أي أثر خوف من وشك، فاهمة؟ أنتي مخطوبة لراجل، ومش أي راجل.”
أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من غير ما تكون مصطنعة. طارق ابتسم، ابتسامة هادية دافية نورت ملامحه، وبعد خطوة لورا بأدب وهو بيشاور بإيده على الباب:
“يلا نخرج، أصل مريم زمانها مستنية الشربات، ولا عايزة العيلة تفتكرنا بنحب في المطبخ من أول يوم؟”
وشي احمر زي الدم وبصيت في الأرض بكسوف، وهو ضحك بصوت رجولي واطي، وخرجنا سوا.
أول ما دخلنا الصالة، عيني وقعت على وائل؛ كان قاعد جنب مريم، بس مكنش وائل بتاع من شوية. وشه كان شاحب ومطفي، رجليه بتهز في الأرض بتوتر، وكل ما مريم تمد إيدها تمسك إيده، كان يسحبها بتلقائية من كتر الرعب، وعينه مرعوبة تبص ناحية طارق اللي قعد جنب والدي وحط رجل على رجل ببرود وثبات.
طارق رفع كاس الشربات بتاعه، وبص لوائل من طرف عينه بنظرة تحذير صريحة، وبعدين بص لبابا وقال بصوت عالي:
“عمي… بما إننا اتفقنا، أنا حابب إن الدهب وشبكة نور تتجاب بكرة بالكتير، ومش عايز مليم ينقص عن اللي يليق بيها وبأصلها، ومش هنأجل كتب الكتاب عن الأسبوع الجاي… إيه رأيك؟”
وائل في اللحظة دي اتخنق وكح جامد وكوباية المية وقعت من إيده على السجادة، ومريم اتخضت عليه: “اسم الله عليك يا وائل مالك؟!”
طارق بصله بابتسامة نصر باردة جداً، وقال بنبرة مليانة سم:
“مالك يا عريس؟ الشربات شرقك ولا إيه؟… متقلقش، لسه التقيل ورا.”
تاني يوم، النيران كانت قايدة في صدر وائل أكتر، والغل عماه تماماً لدرجة خليته يفقد عقله. طارق نزل الصبح بدري على شغله، ومريم كانت في كليتها، وأنا كنت قاعدة في الصالة بساعد ماما في توضيب البيت.
فجأة تليفوني رن، كان رقم غريب، بس أول ما فتحت الخط سمعت صوت نفسه السريع وفحيحه المليان سم:
“أنتي فاكرة الحكاية خلصت بالمسرحية اللي عملتوها في المطبخ؟ طارق مش هينفعك يا نور! قسماً برب العزة لو ما فركشتي المهزلة دي وطلبتي فسخ الخطوبة النهاردة، أنا على وصول عندكم البيت، وهقعد مع أبوكي وهفرجوا بعينيه على رسايل التلات سنين… هخليه يدبحك بإيده، وخلي طارق يجي يلمك بقى!”
الكلمات طلعت منه بتهديد صريح وقاطع عشان يخليني أترعش زي زمان، وأجري أتحايل عليه وأبوس إيده عشان يستر عليا وميفضحنيش.
بس الغريب… إني محستش بالرعشة.
الخوف اللي كان كابس على نفسي طول السنين اللي فاتت، اتبخر فجأة. حسيت ببرود عجيب بيسري في دمي، وقوة أول مرة أحسها. بصيت للمراية اللي قدامي في الطرقة، وشوفت واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة الضعيفة اللي كانت بتخاف من خيالها.
أنا غلطت زمان لما وثقت في كلب زيه ومشيت وراه وصدقت كلامه المعسول، دي حقيقة ومش هنكرها بيني وبين نفسي… بس عمري ما هصلح الغلط ده بغلط أكبر منه، ولا هسمح لنفسي أعيش طول عمري جارية تحت رحمته وابتزازه الرخيص، ولا هضحي بمستقبلي وبراجل محترم زي طارق عشان أداري على خوفي!
أخدت نفس طويل، ورديت عليه بصوت هادي وبارد جداً، أبرد من التلج:
“خلصت كلامك؟”
هو سكت ثانية، متفاجئ ببرودي: “أنتي مش مستوعبة أنا بقول إيه؟! بقولك جاي لأبوكي!”
ابتسمت بسخرية وقولتله بقوة وثبات:
“تعالى يا وائل… مستنياك. الباب مفتوح، وبابا جوه بيشرب قهوته. تعالى ووري له كل اللي معاك، وقوله كل كلمة. أنا مش خايفة منك ولا من فضيحتك، ولو كان تمن خلاصي منك ومن وساختك إني أنزل أقول لأبويا بنفسي إني غلطت في اختياري زمان وأتحمل عقابه ورجلي فوق رقبتي، فأنا مستعدة… بس اللي أنت متأكد منه ومش عايز تعترف بيه لنفسك، إنك يوم ما تدخل وتقول، أول واحد هيتداس عليه بالجزم ويترمي في الشارع وهيتطرد من العيلتين… هو أنت.”
كملت وأنا بنفضله بكل احتقار:
“اعمل اللي تعمله، أنتا مبقتش تخوف حتى عيل صغير… وطارق لو عرف بتهديدك ده، خليه بقى يشوف هيعمل فيك إيه.”
قفلت السكة في وشه من غير ما استنى أسمع حرف زيادة، وعملت للرقم “بلوك” بكل برود، ورميت التليفون على الكنبة.
حسيت بوزن جبل كامل اتشال من فوق صدري. لأول مرة أحس بطعم الكرامة؛ الندل لما بتنفضي له وتفرجي له إنك مش خايفة من كروته المحروقة، بيبقى أضعف من نملة تحت رجلك.
وائل من غله وعماه نفذ تهديده، وراح لبابا في المعرض بتاعه ورمى كل كروته المحروقة، فاكر إنه بيكسر البيت كله وهيطلع كسبان. ورّاله الرسايل والتفاصيل وادعى إنه كان مغصوب وإنه جاي “يفضح المستور”.
بس الصدمة اللي مكنش حاسبها، إن بابا مفركش خطوبة نور وطارق… بابا أول حاجة عملها إنه طرده بشرشحة قدام العمال، ورجع البيت وشه زي الضلمة.
دخل بابا، رزع الباب وراه وقال كلمة واحدة قاطعة هزت البيت:
“مفيش جوازة لمريم من الكلب ده… كتب الكتاب ده هيتفسخ بكرة عند المأذون بالطلاق.”
مريم دخلت في نوبة عياط هستيري وهي مش فاهمة إيه اللي حصل فجأة، وماما كانت بتلطم على خدودها مصدومة، وأنا كنت واقفة راسي في الأرض، دموعي نازلة بس مش بنكر، مستنية حكم بابا عليا.
بابا وقف قدامي، عينه كانت بتنطق خذلان، وجع أب شاف بنته الكبيرة خبت عليه وغلطت:
“أنتي يا نور؟ تلات سنين مأمنك وسايبك تروحي وتيجي، تروحي تعرفي عيل واطي زي ده وتخبي عليا وتدبسيني فيه يجي يخطب أختك؟! حسابي معاكي مش ضرب ولا بهدلة… حسابك إني مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك في البيت ده.”
الكلمة قطعت في لحمي أشد من ميت قلم. دخلت أوضتي وقفلت عليا، ومريم طبعاً بعد ما فهمت اللي وائل قاله، انهارت وبقت تبصلي بلوم وعتاب كان بيحرق في روحي كل ثانية، حتى لو كانت نجت من فخه، الوجع كان كبير.
عدت أيام كئيبة على البيت، بابا مبيكلمنيش ولا بيبص في عيني، ومريم قافلة على نفسها، وأنا في عذاب الضمير… والوحيد اللي كان ثابت في نص العاصفة دي كان طارق.
طارق أول ما عرف، مسك وائل في بيتهم وفرمه علقة موت طرده بعدها من البيت وكسر تليفونه، وبقى يجي عندنا كل يوم بعد الشغل. يقعد مع بابا بالساعات، يتحمل صده ونرفزته، ويقوله بصوت هادي ورجولي:
“يا عمي نور مغلطتش غير إنها كانت صغيرة وصدقت عيل تافه، البنت شريفة ومحترمة وحافظت على نفسها، وهو اللي استغل طيبتها وكان عايز يذلها بتهديده عشان يكسركم. نور هي الضحية مش الجانية، ولو كنت شوفت فيها غلط يمس شرفها، أنا مكنتش هطلب إيدها ولا أتمسك بيها قدام أهلي كلهم بالشكل ده. اكسر وائل وعاقبه، بس متكسرش بنتك اللي ملهاش غيرك.”
فضل ورا بابا يوم ورا يوم، مكلش ولا مل، بيجيب معاه شيوخ من كبار العيلة، ومرة يتدخل عند مريم ويفهمها إزاي أختها اتحملت القهر لوحدها عشان تحميها هي في الأول، لحد ما مريم فهمت حقيقة وائل ووساخته، ودخلت عليا أوضتي اترمت في حضني وعيطنا سوا بحرقة واتصالحنا.
وفي يوم جمعة، بعد ما طارق خلص قعدته الطويلة مع بابا في الصالون، لقيته بيخبط على باب أوضتي بهدوء وواقف مع بابا وماما.
بابا كان باصصلي بعيون مدمعة، تقدم خطوة، وفتح دراعاته ليا وقال بصوت مخنوق:
“تعالي في حضني يا نور… حقك عليا إني قسيت، وعفا الله عما سلف.”
جريت على حضن بابا وانهارت في العياط وأنا ببوس إيده وراسه، وبابا بيبطبط عليا وبيشاور على طارق اللي كان واقف ساند كتفه على الباب، ودمعة فرحة محبوسة في عينه وهو باصصلي بحب وأمان ملهوش حدود، وبابا بيقول:
“اشكري الراجل ده… اللي حارب عشانك وعشان يرجعلك كرامتك وضحكتك في البيت، وعلمنا كلنا يعني إيه راجل بيحب بجد.”
بعد ما بابا خرج وسابنا في الأوضة، طارق شاورلي بإيده بنظرة طمأنينة ومشي وراه وسابنا على راحتنا، مريم فضلت قاعدة جنبي على السرير، ماسكة كفوف إيديا الاتنين بإيديها اللي كانت لسه بترتعش خفيف.
بصت في وشي وعينيها كانت حمرا ومنفوخة من كتر البكا، ملامحها البريئة كان باين عليها ألم صدمة حقيقية، بس مكنش ألم الفراق من وائل… كان ألم العتاب والحزن على اللي مريت بيه.
رفعت عينها في عيني، ونزلت دمعة سخنة على خدها، وقالت بصوت متقطع ومبحوح كله لوم وحنية:
“ليه يا نور؟ ليه مقولتليش من أول لحظة حط فيها رجله في بيتنا؟! ليه شيلتي الهم ده كله وبلعتي النار دي لوحدك؟!”
سكتت ودموعي غلبتني، مكنتش قادرة أرد، بس مريم كملت وهي بتضغط على إيدي بقوة كأنها بتلوم نفسها:
“كنتي بتشوفيه وهو بيمثل عليا الحب ويدلعني قدامك عشان يقهرك، وكنتي بتصوريني معاه بإيدك وتليفونك، وأنا الغبية اللي فرحانة وفكراه نصيبي ومفهمتش كسرة عينك ولا بهتان وشك! كنتي خايفة مني يا نور؟ فاكرة إني كنت هصدقه وأكذبك أنتي؟ ده أنتي أختي، ده أنتي اللي ربتيني بعد ماما! لو كنتي قولتِلي كلمة واحدة، كلمة بس، كنت تفيت في وشه وطردته برة حياتي من قبل ما يلمس حتى طرف صباعي!”
نزلت راسي في الأرض وأنا بنشج من العياط:
“كنت مرعوبة يا مريم… كنت خايفة عليكي تتكسري وإنتي لسه في أول فرحتك، وخايفة على اسمنا قدام بابا، وائل كان زي التعبان، هددني بالرسايل والصور وقال إنه هيجيب مناخيرنا الأرض ويفضحني… فكرت إني لو سكت واستحملت، أنتي هتعيشي مبسوطة وهو هيبعد عني وخلاص.”
مريم رفعت وشي بإيديها الاتنين ومسحت دموعي بطرف طرحتها، وهزت راسها بعنف:
“مبسوطة بإيه وبمين؟ بواحد ندل ورخيص كان داخل يستعملني كرباج يجلدك بيه؟! ربنا سترها ونور بصيرة طارق، الراجل اللي بجد، اللي كشفه وأنقذني من فخ كان هيدمر عمري كله. بس توعديني يا نور… توعديني عمرك ما تشيلي حمل ووجع زي ده في سرك تاني، إحنا ملناش غير بعض في الدنيا، ومفيش سر يتبنى عليه وجعك.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *