دخلت حمام الملك
ندى كانت كل اللي نفسها فيه خمس دقايق هدوء. لكن اللي حصل بعدها قلب حياتها كلها. بالغلط دخلت جناح الملك الخاص، ولقت البانيو متجهز ومليان مية سخنة. ومن غير ما تفكر… نزلت تستحمى. ولما صاحب الأوضة دخل… ابتسمت له، وقالت بكل تلقائية: “ما تيجي… المية حلوة.”
تاني يوم الصبح… القصر كله كان بيتكلم عن الست الغامضة اللي باتت في جناح الملك. والملك نفسه… ما بقاش عنده أي نية إنه يسيبها تختفي من حياته.
لمحة نيوز ندى طول عمرها بنت غلبانة. ما تعرفش تقول “لأ”. أي شغل زيادة؟ حاضر. أي حد يطلب منها خدمة؟ من عيني. حتى كوباية العصير اللي كانت ناوية تشربها، قلبت سهرة كاملة وسط ضحك وهزار مع باقي خادمات القصر.
في الليلة دي، القصر كله كان واخد راحة نادرة. الخدم عاملين قعدة صغيرة يحتفلوا. والضحك مالي المكان. وفجأة… مديرة الخدم دخلت وهي متعصبة. ـ مين هيوصل الضيافة لجناح الضيف المهم؟ كل البنات بصوا في الأرض، ولا واحدة فتحت بقها. ندى تنهدت وقالت: ـ خلاص… أنا هروح. كعادتها… هي اللي شالت الليلة.
وهي ماشية، البنات فضلوا يهزروا معاها. ـ لو قابلتي أمير وسيم… ـ قولي له إنك وقعتي في حبه! ندى ضحكت وهزت دماغها. ـ يا سلام… هو أنا ناقصة فضايح؟ لكن القدر كان مجهز لها مفاجأة. وصلت قدام باب… كان المفروض باب جناح الضيف. لكنها غلطت. ودخلت أوضة تانية خالص.
أول ما دخلت… وقفت مبهورة. سجاد فاخر. ستاير حرير. ريحة عطور مالية المكان. وفي النص… بانيو رخام ضخم، مليان مية سخنة كأن حد لسه مجهزه. الجو كان حر جدًا. وراسها كانت لسه دايخة من اللي شربته. قالت لنفسها: ـ خمس دقايق بس… ومحدش هيعرف. قفلت الباب. ونزلت في البانيو.
أول ما جسمها لمس المية… حست إنها في الجنة. غمضت عينيها… وفجأة… سمعت صوت رجولي جهوري من وراها. ـ ممكن أفهم… إنتِ بتعملي إيه هنا؟ فتحت عينيها بسرعة. ولما بصت… نسيت حتى تتكلم. واقف قدامها راجل ضخم. كتافه عريضة. ملامحه حادة. ونظرته تخلي أي حد يتجمد مكانه. ده كان الملك بنفسه… أقوى راجل في المملكة كلها. واقف بيبص للبنت الغلبانة اللي قاعدة بكل هدوء في… بانيوه هو.
المفروض إنها تصرخ. تعتذر. أو تجري. لكن بدل كل ده… ابتسمت وهي شبه نايمة. وخبطت بإيدها على المية جنبها. وقالت بمنتهى البراءة: ـ ما تيجي… اقعد شوية.
الملك فضل باصص لها كام ثانية. أول مرة من سنين… حد يكلمه من غير خوف. ولا رهبة. ولا نفاق. كان باين عليه إنها مش في وعيها. خد باله من ريحة العصير. ومن وشها الأحمر. ومن كلامها الملخبط. ضحك بينه وبين نفسه. وقلع العباية بتاعته ولفها عليها بدل ما يزعق. وشالها برفق. وحطها على السرير. وقبل ما تنام… قالت بصوت واطي: ـ شكلك… وحيد أوي.
الكلمة نزلت عليه كأنها سهم. لأنها كانت الحقيقة. كل الناس كانت شايفاه الملك. القائد. الراجل اللي محدش يقدر يقف قدامه. لكن عمر ما حد شاف الإنسان اللي مستخبي ورا كل ده. البنت البسيطة دي… كانت أول واحدة تشوفه بعين مختلفة. وقبل ما تغمض عينيها خالص… همست وهي بتبتسم: ـ أفتكر… إني حبيتك حبة صغيرين.
الملك ما غمضش له جفن الليلة دي. فضل قاعد يحرسها. وحاسس إن القدر أخيرًا بعت له البنت اللي كان مستنيها طول عمره.
الصبح… ندى صحيت مفزوعة. افتكرت كل كلمة قالتها. بصت ناحية السرير… ولقت الملك نايم. شهقت. وجريت قبل ما يصحى. كانت فاكرة إن الموضوع انتهى. لكنها كانت غلطانة.
وقت الفطار… القصر كله كان مولع إشاعات. ـ الملك قضى الليلة مع الآنسة هالة. ـ شكل الجوازة الرسمية خلاص قربت. ـ عروسته كانت في جناحه امبارح. الصينية كادت تقع من إيد ندى. هالة؟ ساعتها بس فهمت الحقيقة. هي ما دخلتش جناح ضيف. هي دخلت جناح الملك. والبنت اللي كان المفروض تكون هناك… هي خطيبته الرسمية. ندى حست إن الأرض بتلف بيها. وقبل ما تقرر تهرب ولا تعترف… وصلها استدعاء سري. اللي بعت لها… الآنسة هالة بنفسها.
هالة كانت عارفة كل حاجة. عارفة إن ندى دخلت مكانها بالغلط. وعارفة إن الملك بيدور على البنت اللي كانت معاه. وبعدين قالت لها حاجة عمرها ما كانت تتوقعها. ـ كملي تمثلي إنك أنا. ساعديني أفشكل الجوازة دي. ولو رفضتي… هقول الحقيقة. وساعتها الكل هيصدق إنك ضحكتي على الملك.
قلب ندى وقع. هي مجرد خدامة بسيطة. وهو أقوى راجل في البلد. أكيد… أول ما يعرف الحقيقة… هيكرهها. ولا يمكن…؟
بالليل… لما الملك شافها تاني. ولابسة هدوم الآنسة هالة… ملامحه كلها اتغيرت. ابتسم. ابتسامة حقيقية. لدرجة إن كل اللي في القصر اتصدموا. قرب منها بهدوء. مسك إيدها المرتعشة. وهمس: ـ من امبارح… وأنا بعد الساعات مستني أشوفك تاني.
ندى حست إن قلبها هيقف. لأول مرة في حياتها… حد بيبصلها كأنها أغلى حاجة في الدنيا. كانت عايزة تقول الحقيقة. وتعترف بكل حاجة. لكن قبل ما تنطق… أحد الحراس دخل يجري. ـ يا مولاي! ـ مجلس الحكم عرف معلومة خطيرة. ـ الست اللي دخلت جناحك… ـ غالبًا… مش الآنسة هالة. اختفت الابتسامة من على وش الملك. وببطء… لف ناحيتها. وبص في عينيها مباشرة. وسأل السؤال اللي كانت خايفة منه من أول الليلة دي. ـ قوليلي… إنتِ مين… بجد؟
الصمت طبق على الجناح كله، وريحة التوتر بقت تقيلة لدرجة تكاد تمسك بايدك. ندى حست إن أنفاسها بتقف، ورجليها كادوا ما يشيلوهاش. نظرة الملك مكنتش نظرة غضب عادي، دي كانت نظرة فاحصة، حادة، وفيها لمعة ذكاء بتخترق الحجاب وبتوصل للعمق. هو مش بس بيسألها مين هي، هو كأن جوواه جزء كبير كان متوقع الإجابة دي، أو يمكن… كان متمنى تكون هي الحقيقة مش هالة من الأول.
أخذت ندى نفس عميق، وقررت إنها مش هتهرب، ومش هتكمل كدبة هالة اللي ممكن توديها في داهية. وقفت قدامه بشجاعة نادرة بالنسبة لبنت طول عمرها متعودة تخبي نفسها في الزوايا، ورفعت عينيها في عينه وقالت بصوت مهتز بس واضح: ـ أنا مش هالة يا مولاي… أنا ندى. خدامة بسيطة في قصرك.
الحراس اتفاجئوا، والكل استنى العاصفة تتقلب. لكن الملك… ما اتفاجئش بالصورة اللي كانوا متوقعينها. بالعكس، ملامحه الحادة هديت شوية، والابتسامة الخفيفة رجعت زينت شفايفه، وكأنه أخيرًا ارتاح للغموض اللي كان مجننه من امبارح. قرب منها خطوة كمان لحد ما بقت حاسة بدفء أنفاسه، وقال بصوته الجهوري الهادئ: ـ كنت متأكد… هالة عمرها ما بتبصلي بالطريقة دي، وعمر ما حد تجرأ يقولي “شكلك وحيد أوي” غيرك يا ندى.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف، ودخلت هالة ومعاها راس حربة من مجلس الحكم، ملامحهم كلها شماتة وغضب. هالة صرخت بصوت عالي: ـ شفت يا مولاي؟! الخدامة الحقيرة دي سرقت هدومي ودخلت مكانها عشان تضحك عليك وتوقعك في حبائلها! المفروض تتحبس فوراً بتهمة الخيانة والتلاعب بالملك!
الكل كتم نفسه، ومجلس الحكم بدأ يهمس باعتراض واستنكار شديد. قانون القصر صارم: الخادمة اللي تتجرأ وتقلد سيدة نبيلة عقوبتها السجن أو الطرد المهين. لكن ندى قبل ما تنطق بحرف دفاعاً عن نفسها، لقت الملك بيتحرك ببطء وثبات، وبيقف قدام هالة مباشرة. نظرة واحدة منه خلت هالة تبلع كلامها وترجع لورا بخوف.
الملك اتكلم بصوت عالي وصارم خلى قاعة المجلس كلها تتجمد: ـ الخيانة الحقيقية هي اللي بتدبرها إنتِ ومجلس الحكم يا هالة، مفكرين إني ما أعرفش الاتفاق اللي عملتيه عشان تتخلصي من الجوازة دي وتلفقي التهمة لناس أبرياء؟ مفكرين إن عيوني مش في كل مكان في القصر ده؟
هالة اصفرّ وشها وانهارت دفاعاتها: ـ أنا… أنا قصدي… قاطعها الملك بإشارة صارمة من إيده، وقال للحراس: ـ خذوا هالة ومن معها من المجلس، يتم التحقيق معهم في محاولة تضليل العرش، وتلغى خطبتها فوراً وبشكل رسمي.
القصر كله كان متابع بصدمة. الملك لف بصره تاني لندى، اللي كانت واقفة مكانها زي المذبوحة، مش مصدقة إن كل ده بيحصل بسبب غلطة صغيرة عملتها امبارح. قرب منها، ومد إيده الكبيرة مسك إيدها المرتعشة، وبص في عينيها وقال بنبرة دافية امتزجت بالجدية: ـ من أول لحظة دخلتي فيها الجناح ده بالغلط، وأنا متأكد إن القدر كان مقصود يرتب اللخبطة دي كلها عشان يصلح حياتي اللي كانت فاضية.
ندى بصت له باستغراب وقالت بصوت مكسور: ـ بس… أنا خدامة يا مولاي… والناس والمجتمع… حط إيده برفق على دقنها ورفع وشها ليها وقال بابتسامة واسعة: ـ الملك بيختار ملكة قلبه بنفسه، مش بالبروتوكول. ولا إيه رأيك… لسه شايفة إني وحيد؟ دموع الفرح نزلت على خد ندى وهي بتضحك وسط دمعتها، وهزت راسها بالنفي، وهي حاسة إن حياتها الغلبانة اتحولت لأجمل حكاية عشق ما كانتش تتخيلها في أحلامها أكتر جنوناً.