بقلم اماني السيد ج١
قربت من عم حسين البقال، راجل عجوز يعرفني من زمان ويعرف أصلي:
— السلام عليكم يا حاج.. بالله عليك بنتي فين؟ شقتها مقفولة ليه؟ ألاقيها فين؟
الراجل مبصش في عيني، كمل رص البضاعة بإيد باردة، ونفخ بقرف وهو بيدور وشه الناحية التانية، ولا كأني واقف ولا كأن ليا وجود. ماردش حتى السلام.
سبته وجريت على شباب واقفين على أول الشارع كانوا صحاب جوزها:
— يا شباب.. حد شاف بنتي؟ هي لسه عند حماتها؟ حد يفهمني بس هي فين!
واحد منهم بصلي من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز خلت جسمي يقشعر، تف على الأرض جنب رجلي، وخد صحابه ومشي من غير ما ينطق حرف واحد، كأني جربان خايفين يلمسوني أو يتكلموا معايا.
بقيت ألف حوالين نفسي في نص الحارة، زي كلب ضال بيدور على مأوى:
— يا ناس حد يرد عليا! بنتي فين؟! أنا أبوها!
الكلمة طلعت من بقي، بس كأنها كانت الشتيمة اللي غضب الكل. الستات في البلكونات بصوا عليا وسحبوا الستاير بقرف وقفلوا الشيش في وشي بصوت رزع يهز الحيطان، والرجالة على القهوة نكسوا روسهم في الأرض وتجاهلوني، وكأنهم اتفقوا إن مفيش بني آدم واقف في وسطهم اسمه «أبوها»، كأنهم بيعاقبوني بالخرس اللي يقطع في اللحم أكتر من أي كلام.
النظرات اللي حواليا كانت كلها بتقول حاجة واحدة واضحة وصريحة: أنت رخيص.. وماتستاهلش.
جريت على مدخل العمارة والسلالم بتتهز تحت رجلي اللي مش شيلاني. طلعت درجتين درجتين وأنا بلهث، لحد ما وقفت قدام باب شقتها.. نفس الباب المقفول في وشي وفي وش كل إحساس أبوي دفنته بإيدي.
رفعت إيدي وفضلت أخبط بكل ما فيا من عافية.
خبط متواصل، هيستيري، الخشب كان بيصرخ تحت قبضتي وصوت الرزع رن في مدخل العمارة كله:
— افتحي يا بنتي! افتحوا يا ناس! أنا أبوكي جيتلك أهو، افتحي وقوليلي فيكي إيه!
مفيش أي رد.. سكوت ميت بيزيد من رعشة قلبي. فضلت أخبط بالاتنين وأضرب على الباب بكتفي وأنا بصرخ:
— ردي عليا عشان خاطر أمك المة! متعمليش فيا كده!
فجأة، الباب اللي في الوش فتح، وطلعت منه جارة ست كبيرة، وشها شاحب وعيونها كانت بتبصلي بقسوة تجمّد الدم في العروق. وقفت وهي ماسكة طرف الباب، ونفخت بصوت عالي كأن وجودي ملأ المكان ريحة خنقة، وقالت بنبرة حادة وناشفة قطعت صوت خبطي:
— ما تتعبش نفسك وتوجع دماغنا.. محدش جوه.
وقفت متسمر، إيدي متعلّقة في الهوا وأنفاسي مقطوعة:
— محدش جوه إزاي؟! راحت فين يا حاجة؟ بنتي فين؟! وجوزها فين؟