جوزي كان مسافر ج٢

اقتربت من المكتب بخطوات واثقة، بينما تبعني الثلاثة لجوه الأوضة كأنهم أشباح خائفة ومطاردة بكابوس. كريم كان يلهث بشدة وصدره بيطلع وينزل من الخضة، وعيناه تكادان تخرجان من رأسها رعبًا، بينما كانت أمه تتمتم بكلمات غير مفهومة وتدعس في شالها وهي بتطلب الستر وبتتحسبن.

سحبت الملف المفتوح من فوق المكتب، وقرأت اللي فيه بتمعن وتركيز شديد، والابتسامة الساخرة مش مفارقة وشي:

“ياااه… طلعت شاطر ومفتح قوي يا كريم! بتشتغل في المحافظة التانية بقالك سنتين، وكل سفرياتك الشغل ومأمورياتك اللي بتتحجج بيها كانت هنا! في الشقة دي اللي اشتريتها بفلوس التوكيل العام اللي أخدته مني وأنا مغمضة عينيا وبكامل ثقتي فيك عشان تبيع أرض أبويا!”

صرخ كريم بصوت مصدوع ومكتوم وهو بيقرّب مني عايز يمد إيده وياخد الملف:

“منى! سيبي الورق ده حالًا ونزليه من إيدك! إنتي ما تعرفيش إنتي بتعملي إيه ولا بتلعبي بإيه!”

“لا، أنا عارفة كويس قوي أنا بعمل إيه وبفتش في إيه،” قلتها وأنا بنظر إليه مباشرة في عينيه بكل ثبات ودون أي رعشة في صوتي أو حركة في إيدي. وكملت وأنا باصلهم واحد واحد:

“أرض أبويا التي ورثتها، والتي كذبت عليّ وقلت إن الحكومة نزلت عليها قرار نزع ملكية للمنفعة العامة وإن التعويض بتاعها طلع ملاليم وما يسواش، طلعت بايعها بمليونين ونصف لشركة مقاولات وهمية ملك لمين بقى؟ ملك لنجلاء ومسجلة باسمها وباسم شريكك المرحوم الله يرحمه! صاحبه اللي طلع في الآخر ميت مفلس ولا مقتول بطريقة مشبوهة.. ولا يمكن…”

سكتت لحظة، ونظرت إلى نجلاء التي تحول وجهها بالكامل إلى اللون الأصفر الشاحب، وتراجعت للخلف ترتجف وسندت على الحيطة كأن حيلها اتهد.

قالت نجلاء بصوت مرعوب يادوب طالع ومخنوق:

“إنتِ… إنتِ عرفتي كل ده منين؟!”

“ما كنتش أعرف بكل التفاصيل دي،” قلتها بابتسامة باردة ومرعبة توقف الدم في العروق.. “بس كنت شاكة، والنهارده بس القطع جاب اليقين!”

من زمان في طريقة صرفك يا كريم بعد وفاة صاحبك، وإزاي ورثه اللي سابه فجأة كده بقم شقق ومشاريع وعربيات، وكنت بستنى اللحظة المناسبة اللي تدلني على الخيط. واديني لقيته، ومش بس كده…

فتحت درج المكتب الخشبي الداخلي بإيدي اللي ثابتة زي الحديد، وطلعت منه اللي ما كنتش أتوقعه حتى في أعتى أحلامي الكابوسية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *