عيش

أحمد كان بسيط، وصبور، ودافئ. كان شغال في الإدارة في شركة شحن، وكان بياخد مرتب أقل مني بكثير، لأني وقتها كنت بدير مشاريع استشارية لشركات مقاولات ومستثمرين. عمر الموضوع ده ما فرق معايا.

وعيلته كمان مكنش يبان عليها إنها طمعانة في فلوسي.

أول مرة دخلت بيت أمه، الحجة عفاف حضنتني كأني بنتها اللي تعرفها من زمان. كان فيه محشي، ورز، وعيش سخن، وترابيزة الكل بيتكلم فيها في نفس الوقت. الموضوع كان بالنسبة لي زحمة ولخبطة بس يجنن.

— من النهاردة أنتِ بنتي —قالتها لي ليلتها—. هنا عمرك ما هتأكلي لوحدك.

الجملة دي معلمة جوة قلبي.

بعد ما اتجوزنا، كنت كريمة معاهم جداً لأني كنت عايزة أعمل كده. ساعدت الحجة عفاف تتنقل من محل صغير إيجار لمحل أكبر عشان مشروع الأكل بتاعها. ولما صاحب المحل حب يبيعه، اشتريت المقر بشركة عقارية كنت عاملاها من قبل الجواز، وسبتهولها تشتغل فيه من غير إيجار بعقد انتفاع. وكمان دفعت مصاريف دراسة بنت أخت أحمد، وصلحت سقف البيت عندهم، وشيلت مصاريف زنقات كثيرة.

عريت قلبي معاهم وما حسبتش أي حاجة.

كانوا بيدوني الحاجة اللي فضلت طول عمري بتمنّاها: الإحساس إن ليا عيلة.

كل حاجة اتغيرت لما قررت أخد استراحة من شغلي.

كان عندي سبعة وثلاثين سنة وأحمد تسعة وثلاثين. بقالنا أربع سنين بنحاول نخلف. بعد محاولات وتجارب كثيرة مش ناجحة، الدكتورة نصحتني أهدي اللعب، وأنام كويس، وأوقف سفر وشغل شوية. وأنا كان مقدرتي أعمل كده؛ كان عندي تحويشة، واستثمارات، وأملاك خاصة بيا.

في الأول أحمد حضنني وقال لي:

— ارتاحي، جه الوقت اللي تخلي بالك فيه من نفسك.

بس بعد ست شهور، بدأ يكلمني وكأني عالة عليه.

بقى يسيب هدومه مرمية، ويزعق عشان الست اللي بتيجي تنظف مرتين في الأسبوع، وبدأ يكرر جملة عمره ما قالها قبل كده:

— ما أنتِ قاعدة في البيت…

الحجة عفاف هي كمان اتغيرت. الأكل اللي كانت بتبعتهولي «عشان بتشتغلي وتعبانة» اختفى. وبدأت بداله المكالمات عشان أروح أطبخ في عزوماتهم، أو أخد بالي من عيال إخواته.

حاولت أقنع نفسي إني ببالغ.

لحد الظهرية دي وأكل الكباب.

بصيت للحجة عفاف، وبعدين لأحمد.

— هو أنا مش من العيلة ولا إيه؟

حماتي طلعت ضحكة ناشفة.

— العيلة هما ولادي وأحفادي. مالتخلطيش الأمور. وخصوصاً دلوقتي ولا بشتغلي ولا عارفة تجيبي حتة عيل لابني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *