كيد الحموات ج١ منى السيد
القهرة بتقتل يا ناس، القهرة بتخلي الواحد يحس إنه ملوش تمن، كأنه كيس زبالة ركنوه على جنب بعد ما خلصوا مصلحتهم منه.
البيت كان ساكت وهادي هدوء يخوف، هدوء الموتى. قومت بالعافية، زحفت لحد الكنبة، وقعدت لامة رجليا في حضني وضامة مخدة على صدري وبعيط بصوت مكتوم عشان الجيران ميعرفوش بالمهزلة اللي أنا فيها. فكرت في كل كلمة قالتها لي في المطبخ لما روحت أراضيها اسكتي مش الخطوبة اتأجلت؟ مش عاملين حاجة خلاص.
كانت بتبص في عيني وبتكدب! بتكدب بمنتهى البجاحة والثبات الإنفعالي، لا رمش لها جفن ولا بان عليها ذرة تردد! يا جبروتك يا شيخة! عملتلك إيه لكل الغل ده؟ عشان قولت نشتري فراخ مشوية ومحدش يتعب وماتقفيش في السن ده توجعي ضهرك في المطبخ؟ ده أنا كنت بفرّغ عليكي التعب، ده أنا كنت خايفة عليكي وعلى نفسي من بهدلة عزومة فوق التلاتين نفر! بقى ده جزاتي؟ تقدمي الخير تلاقي الشر قاعد مستنيكي بكرباج؟
فضلت قاعدة على الحال ده لحد ما الفجر أذن. سمعت الأذان وهو بيقول الصلاة خير من النوم، قومت اتوضيت وأنا بتنفض. المية الساقعة نزلت على وشي لسعتني، بس مصحتش فيا إلا نار الغيظ. وقفت على سجادة الصلاة، وفضلت ساجدة وأنا بعيط وبشهق من قهرتي، مكنتش قادرة أقول غير كلمتين اتنين بس حسبي الله ونعم الوكيل في كل من كسر بخاطري وذلني.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا أم أحمد.
سلمت من الصلاة وقعدت، جسمي كله كان مهدود ومش طايقة أكل ولا أشرب. ريقي نشف وبقى مر زي طعم الحنظل. فتحت التلاجة أطلع إزازة مية، معرفتش أبلع نقطة، لقمة العيش كانت تقف في زوري وكأنها حجارة.
على الساعة تمانية الصبح، لقيت الباب بيفتح بالمفتاح. دخل محمود جوزي، وشه متسخط من السهر، وريحته سجاير ودخان، ولابس قميصه الجديد اللي كنت كاوياه بإيدي الاتنين قبلها بيوم على أساس إنه خارج يقابل صحابه زي ما ضحك عليا!
دخل الصالة ببرود، بص عليا وأنا قاعدة بهدومي على الكنبة والعيون مورمة من العياط، محاولش حتى يطبطب عليا ولا يسألني مالك. رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال بصوت خشن
إيه.. هتفضلي قاعدة عاملي فيها دور الضحية كدة كتير؟ ماتخلصينا بقى!
بصيت له ولساني مكنش طاوعني أنطق، قومت وقفت بالعافية وقولتله وأنا بصتي مسمرة في عينيه
ضحية؟ أنا عاملة دور الضحية يا محمود؟ إنت جاي من حفلة معمولة ورا ضهري، متفقة فيها أمك وأخوك وإنت معاهم عشان تداروا عليا وتطلعوني برة بيتكوا، وجاي تقول لي دور الضحية؟
رد وهو بيبص بعيد وبيخلع جزمته
انتي اللي جبتيه لنفسك! أمي قالت لك تعالي اطبخي، نزلتي عليها باقتراحاتك السخيفة بتاعة أكل دليفري ومشويات وأطباق فويل! إنتي عاوزة تعرينا قدام أهل العروسة الجداد؟ الناس يقولوا واخدين ناس مش قادرة تطبخ للضيوف؟ أمي حسّت إنك بتقللي منها ومن ابنها التاني اللي هيخطب، وقالت لي مراتك كسلانة ومش وش واجب ومينفعش تحضر وتفرش وشها الخشب قدام الناس، وأنا صراحة وافقتها.. دي ليلة أخويا ومش عايز نكد!
الكلمات نزلت عليا أتقل من الصخر. صرخت فيه وأنا بنهار
نكد؟! أنا اللي نكد ولا الغل اللي ساكن قلوبكم؟ أنا كنت بريحها! قولت لها بدل ما نقف نطبخ لخمسين نفر، نجيب الأكل جاهز وشيك.. ده اللي زعلها؟! طب حتى لو زعلها يا مفتري، تروحوا تعملوا الخطوبة وتقولوا لي اتأجلت وتنزلوها أنتوا وتتبسطوا وترقصوا وتسبوني قاعدة هنا زي البيت الوقف مضحوكة عليا؟! بقى ده اللي ربنا قاله؟ ده حق العشرة؟
محمود قرب مني ورفع إصبعه في وشي بتهديد
صوتك ميعلاش يا ستي انتي، أمي خط أحمر، اللي تقوله هو اللي يمشي، وإذا كان على الخطوبة فاللي فات مات وخلاص خلصت ولبسوا الدبل وخلاص، كبري عقلك بقى وبلاش تشنجات نسوان، فزي اعمليلي لقمة آكلها عشان هموت من الجوع!
بصيت للراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي ست سنين، حسيت إني مش عارفاه، كأنه غريب شحات دخل البيت بالغلط. راجل بايعني برخيص أوي، مستخسر حتى يعتذر لي على كسرة نفسي. قولتله بهدوء تام، والهدوء ده كان علامة الموت اللي جوة روحي
أكل؟ معلش يا ابن الأصول، اطلبلك أكل في أطباق فويل من برة، أصل إيدي مش هتمسلك أكل بعد النهاردة.
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعته برة بيخبط على الباب وبيزعق ويشتم، سيبته يخبط لحد ما تعب ودخل نام في أوضة الأطفال.
النهار فضل ماشي ببطء رهيب، عقارب الساعة كانت بتتحرك وكأنها بتجر وراها جبال. التليفون بتاعي مكنش بيبطل رن، وكل رنة كانت بتعمل خضة في صدري. مسكت التليفون، لقيت شاشة الواتساب منورة، مين اللي باعت؟
سلايفي، ومراتات أعمامه، وبنات خالاته! فتحت الرسايل، ولقيت الطوفان اللي كان مستنيني. صور… صور وفيديوهات بتنزل على جروب العيلة!
الصورة الأولى حماتي واقفة في وسط الصالة بتاعتهم، لابسة العباية الحرير ومزينة وشها ومبتسمة ابتسامة نصر، حاضنة خطيبة ابنها التانية وبتبوسها في خدها وبتضحك للكاميرا!
الصورة التانية بوفيه كامل محطوط على ترابيزات السفرة، محاشي، وطواجن لحمة، وصواني بشاميل، ومقبلات، وأكل ملوش أول من آخر!
وتحت الصور تعليق من أخت جوزي الكبيرة مكتوب فيه تسلم إيدك يا قمر يا أم العريس، كتر خير طنط نادية جارتنا اللي وقفت وسندت وعملت الأكل كله بدال الناس الكسلانة