حماتي رمت العشا

حماتي رمت العشا اللي طلبته وأنا تعبانة في الزبالة، وقالتلي بمنتهى الاستفزاز
الست الشاطرة بتطبخ لجوزها وعيالها بإيديها!
بس الدرس الهادي اللي جوزي قرر يديهولها بعدها… خلا وشها يحمر من الغيظ!
الثلاث اللي فات، صحيت من النوم وأنا حاسة إن جسمي كله متكسر.
حرارتي كانت عالية جدًا، عضمي بيوجعني، وزوري كان واجعني لدرجة إني بالعافية كنت بعرف أبلع ريقي.
جوزي، كريم، أول ما شاف حالتي قال
أنا مش رايح الشغل النهارده. هفضل معاكي.
لكن أنا رفضت.
قلتله
روح يا كريم، متعطلش شغلك عشاني. أنا هاخد الدوا وأنام، وهبقى كويسة.
قبل ما يخرج، وقف عند باب أوضة النوم وبصلي بجدية وقال
اسمعيني كويس… تفضلي في السرير. ولما العيال يرجعوا من المدرسة، اطلبي أكل جاهز للكل. ومش عايزك حتى تبصي ناحية البوتاجاز، فاهمة؟
ضحكت رغم تعبي وقلتله
حاضر يا سيدي.
حوالي الساعة خمسة، رجع ولادنا من المدرسة وكانوا جعانين جدًا.
وأنا مكنتش قادرة أقف على رجلي أصلًا.
فطلبت شوربة فراخ ليا، ومكرونة للعيال، ووجبة اللحمة اللي كريم بيحبها.
دفعت حوالي أربعة آلاف جنيه في الطلب كله، لكن وقتها مكنش فارق معايا الفلوس.
كل اللي كنت عايزاه إن العيال ياكلوا وأنا أرجع أنام.
لكن قبل ما الأكل يوصل بشوية…
الجرس رن.
فتحت بنتي الباب، وسمعت صوت حماتي، سهير.
جت من غير ما تقول إنها جاية.
دخلت أوضة النوم، وأول ما شافتني نايمة بلبس البيت، عقدت حواجبها.
الساعة خمسة ولسه نايمة؟
بصيتلها وأنا بالعافية بفتح عيني.
تعبانة يا طنط سهير… حرارتي عالية من الصبح.
بصتلي من فوق لتحت وقالت
ربنا يشفيكي.
بس طريقتها مكانتش فيها ذرة تعاطف.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن تاني.
قلت لها
ده غالبًا الأكل. ممكن لو سمحتي تستلميه؟ أنا مش قادرة أقوم.
قالت
ماشي.
وخرجت.
عدت عشر دقايق تقريبًا.
استغربت إن محدش جابلي الشوربة، والأغرب إني مسمعتش العيال بياكلوا.
ناديت على بنتي.
مفيش رد.
اضطريت أقوم.
نزلت السلم وأنا ماسكة

في السور، وكل خطوة كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا.
ولما وصلت المطبخ…
وقفت مكاني.
حماتي كانت واقفة قدام سلة الزبالة.
وكل علب الأكل كانت جواها!
مكرونة العيال.
وجبة كريم.
حتى علبة الشوربة بتاعتي كانت مترمية زي ما هي، لسه متفتحتش!
بصيتلها بصدمة.
إنتِ عملتي إيه؟!
مسحت إيديها في فوطة المطبخ بكل هدوء وقالت
عملت الصح.
الصح؟! إنتِ رميتي الأكل كله!
ردت بمنتهى البرود
أيوه. أنا مش هقف أتفرج على ابني وعياله بياكلوا أكل مطاعم عشان مراته كسلانة تقوم تعملهم لقمة بإيديها.
فضلت باصة لها ثواني وأنا مش مصدقة.
كسلانة؟ أنا حرارتي عالية ومش قادرة أقف!
بصت ناحية البوتاجاز وقالت
ما البوتاجاز أهو.
وبعدين بصتلي وأضافت
الست الشاطرة بتطبخ لجوزها وعيالها بنفسها مهما كانت تعبانة. قومي اعملي عشا لبيتك.
أنا مكنتش حتى قادرة أرد.
مش عشان كلامها صح…
لكن عشان كمية القسوة في طريقتها صدمتني.
الأكل اللي دفعنا فيه مبلغ كبير اترمى قدامي، والعيال واقفين جعانين، وأنا بالعافية واقفة على رجلي.
بعد حوالي عشرين دقيقة…
كريم رجع من الشغل.
دخل المطبخ ولقاني قاعدة على الكرسي ودموعي نازلة، والعيال بياكلوا بسكويت ومقرمشات عشان يسكتوا جوعهم.
بص حوالين نفسه باستغراب.
الأكل مجاش؟
مردتش.
بنتنا الصغيرة قالتله
جه يا بابا… بس تيتة رمته.
كريم بص ناحية أمه.
وبعدين فتح سلة الزبالة.
فضل واقف كام ثانية بيبص للأكل المترمي جواها.
وبعدين رفع عينه لأمه.
ملامحه اتغيرت تمامًا.
ماما… إنتِ اللي عملتي كده؟
سهير عقدت إيديها قدام صدرها وقالت بمنتهى الثقة
أيوه.
ليه؟
عشان حد لازم يفهم مراتك يعني إيه جواز ومسؤولية. مينفعش كل ما تتعب شوية تطلبلكم أكل من بره.
كنت متوقعة كريم يزعق.
كنت متوقعة صوته يعلى.
يمكن حتى يطلب منها تمشي.
لكن الغريب…
إنه هدي جدًا.
لدرجة خوفت من هدوئه.
وبعدين فجأة ابتسم.
وقال
عندك حق يا ماما.
بصيتله بصدمة.
حتى سهير نفسها اتفاجئت.
لكن بعد ثواني، ابتسامة انتصار ظهرت على وشها.
أخيرًا فهمت إني بتكلم لمصلحتك.
كريم هز راسه وقال
طبعًا. وبصراحة أنا لازم أشكرك.
تشكرني؟
أكيد. طول عمرك مهتمة براحة ابنك، وطالما الأكل الجاهز بالشكل ده مرفوض عندك… فأنا شايف إنك تستاهلي هدية صغيرة مني.
ابتسامتها وسعت.
هدية؟
كريم طلع موبايله من جيبه.
أيوه… هدية تليق بكل اهتمامك بيا.
فتح رقم واتصل.
قال جملة واحدة بس
مساء الخير… ممكن تيجي دلوقتي؟ أيوه، على البيت. الموضوع مهم.
وقفل.
سهير سألته بفضول
مين دي؟
ابتسم كريم.
مفاجأة.
قعدنا حوالي عشرين دقيقة.
وسهير طول الوقت كانت مبتسمة، وواضح إنها متخيلة إن ابنها هيكافئها فعلًا على اللي عملته.
لحد ما جرس الباب رن.
كريم قام بنفسه يفتح.
سمعته بيقول من بره
اتفضلي… مستنيينك.
دخلت ست في أواخر الخمسينات، شيك جدًا، لابسة بدلة أنيقة، وماسكة شنطة جلد كبيرة في إيدها.
أول ما سهير شافتها…
ابتسامتها اختفت.
وشها شحب.
وقامت من على الكرسي بسرعة.
إنتِ؟!
الست بصتلها بهدوء.
أما كريم فوقف جنبها، ساكت تمامًا.
سهير بصت لابنها، وكأنها فجأة فهمت هو عمل إيه.
كريم… هي بتعمل إيه هنا؟
كريم مردش.
فتح للست كرسي وقال
اتفضلي يا مدام منى.
سهير ضربت بإيدها على الترابيزة.
وشها بقى أحمر من الغضب.
إنت اتجننت؟! إزاي تجيب الست دي هنا؟!
مدام منى فتحت شنطتها بهدوء…
وطلعت منها ملف سميك.
حطته قدام سهير.
وساعتها لأول مرة من ساعة ما دخلت بيتنا…
شوفت حماتي خايفة بجد.
رجعت خطوة لورا وقالت
لأ… لأ يا كريم. مش بالطريقة دي.
كريم أخيرًا بص لها.
وكان لسه هادي.
هادي بشكل مرعب.
وقال
ليه يا ماما؟
وبعدين زق الملف ناحيتها.
مش إنتِ اللي قلتي إن كل ست لازم تتحمل مسؤولية بيتها بنفسها؟
سهير بصت للملف…
وبعدين بصت لابنها.
وفجأة صرخت
إزاي تعمل كده في أمك؟!
فضلت باصة ناحية الباب بعد ما حماتي خرجت من الأوضة وهي شايلة طبق
الخبيز القديم بتاع خالتها منى.
ولأول مرة من سنين جوازنا، محستش إني كسبت خناقة معاها.
بالعكس…
حسيت إن حاجة أكبر حصلت.
سهير لأول مرة شافت نفسها في المراية.
مش المراية اللي طول عمرها بتحب تبص فيها وتشوف نفسها الست القوية اللي ربت ابنها لوحدها، وكانت بتعمل كل حاجة بإيديها ومحتجتش مساعدة من حد.
لأ.
المرة دي شافت الحقيقة.
إنها هي نفسها، في أصعب أيامها، احتاجت حد يقف جنبها.
وإن الست اللي كانت بتعايرني بيها منى دلوقتي…
هي نفسها الست اللي كانت بتطبخلها لما ابنها كان صغير وهي منهارة من التعب.
بعد ما حماتي نزلت، كريم دخل الأوضة وقفل الباب وراه.
قعد جنبي على طرف السرير وقال
عاملة إيه؟
قلتله
أحسن شوية.
حط إيده على جبهتي.
الحرارة لسه موجودة.
وبعدين قام عشان يجيبلي الدوا.
مسكت إيده.
كريم؟
بصلي.
قلتله
إنت كنت عارف حكاية طنط منى دي من زمان؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
كنت فاكر أجزاء منها بس.
يعني إيه؟
قعد تاني وقال
وأنا صغير كنت فاكر إن طنط منى بتحب تطبخلنا وخلاص. كنت بشوف الأطباق دي كتير عندنا. بس مكنتش فاهم ليه.
سكت لحظة وبعدين قال
من كام سنة، في عيد ميلادها، هي اللي حكتلي الحقيقة وهي بتضحك. قالتلي إن أمي في فترة من الفترات كانت بتجيلها مرتين وتلاتة في الأسبوع عشان تاخد أكل.
قلتله
ومامتك عارفة إنك عارف؟
هز راسه.
غالبًا لأ.
فهمت وقتها ليه وش سهير اتغير أول ما سمعت اسم منى في التليفون.
الموضوع مكانش مجرد طبق أكل قديم.
ده كان جزء من حياتها هي دفنته سنين…
وبعدين بنت فوقه صورة مثالية لنفسها، وفضلت تحاسب كل الستات حواليها على الصورة دي.
تاني يوم، كنت أحسن شوية.
الحرارة نزلت، لكن جسمي كان لسه مهدود.
حوالي الساعة واحدة الظهر، سمعت جرس الباب.
بصيت لكريم.
كان شغال من البيت عشان يفضل معايا.
قال
مستنية حد؟
هزيت راسي.
راح فتح.
وبعد دقيقة سمعت صوت سهير.
قلبي اتقبض تلقائيًا.
بصراحة…
مكنتش مستعدة لجولة تانية.
لكن الغريب إن صوتها مكانش عالي.
مفيش اعتراض.
مفيش تعليق.
مفيش حتى الجملة المعتادة بتاعتها
البيت محتاج يتفتح شوية.
بعد لحظات، خبطت على باب الأوضة.
ممكن أدخل؟
بصيت لكريم.
وهو ساب القرار ليا.
قلت
اتفضلي.
دخلت وهي ماسكة طبق شوربة.
حطته على الترابيزة جنبي.
وقالت
شوربة فراخ.
بصيت للطبق.
وسألتها
إنتِ اللي

لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *