كامله بقلم اماني السيد

سحبت نفسي بالعافية، حاولت أعدل قعدتي، ووجع العملية كان بيصرخ في جسمي، بس وجع قلبي كان أعلى بكتير. بصيت لمراتي التانية اللي كانت لسه متمسكة بإيدي، والولد قاعد جنبها عيونه متعلقة بيا، سألتها بصوت مخنوق:
“سمر.. هي سمر فين و قالتلك إيه بالظبط لما كلمتك؟ كانت عامله إزاي؟ واخدة بالها من البنات؟ طيب هي راحت فين لما سابت المستشفى؟”
اتنهدت هي وبصت للأرض، كأنها بتجمع الكلمات اللي خايفة تقولها، وبعدين رفعت عينها فيا وقالت بصوت هادي ومكسور:

“مدام سمر كانت غريبة يا أحمد.. كلمتني بصوت ثابت، ثابت لدرجة خوفتني أكتر من العياط. قالتلي بالحرف: ‘أحمد في المستشفى، عمليته صعبة، ومحتاج ابنه ومحتاجك جنبه دلوقتي، أنا قمت بالواجب اللي كان عليه، والباقي أمانة في رقبتكم’. ما قالتش أكتر من كدة، ما سألتنيش مين أنا، ولا حتى لامتني على حاجة.”
سكتت لحظة، كأنها بتسترجع المشهد، وكملت:
“لما وصلنا هنا، لقيتها واقفة في الممر بره الأوضة دي، كانت بتنتظرنا. مجرد ما شافتني أنا والولد، شورتلي على باب الأوضة، وقالتلي ببرود: ‘ادخلوا، هو محتاجكم’. حاولت أسألها هي رايحة فين، أو اطمن منها عليك، بصتلي نظرة.. مش عارفة أوصفها، نظرة كأنها شافت فيا حياتها التانية اللي اتسرقت منها. وقبل ما أنطق بكلمة تانية، سابتنا ومشت.. مشيت بخطوات واسعة، من غير ما تلتفت وراها ولا مرة.”
حسيت الدنيا بتلف بيا أكتر. يعني هي ما كانتش بس بتنفذ الوصية.. هي كانت بتنهي دورها في حياتي.
غمضت عيني، والدموع خانتني ونزلت على خدي. سمر مشيت، وخدت معاها حقي في بناتي، وخدت معاها بيتي، وسابتني هنا، وسط “الوصية” اللي كنت فاكر إنها هترتب حياتي، بس هي في الحقيقة.. فرقتها لقطع لا يمكن تتجمع تاني.

عدى أسبوع كامل وأنا في المستشفى، أسبوع كان أطول من عمري كله. طول الأيام دي، كنت عايش على أمل إن الباب يتفتح وتدخل “سمر” ومعاها البنات، ولو حتى عشان تصرخ في وشي، أو تطلب الطلاق، أو حتى تشتمني.. أي رد فعل كان أهون بكتير من السكوت ده.
مراتي التانية كانت بتحاول تقوم بكل حاجة، بتخدم، وبتاخد بالها من الولد، وبتحاول تقرب مني، بس كل حركة منها كانت بتزود المسافة اللي بيني وبين بيتي الأولاني. كنت ببص لكل اللي داخلين المستشفى، أي حد بيعدي من قدام باب الأوضة، قلبي كان بينط من مكانه وأقول أكيد هي.. بس خيبات الأمل كانت بتتكرر كل يوم، وكل ساعة.
لا سمر جات، ولا حتى سألت، ولا البنات اتصلوا بيا يطمنوا.. تليفوني اللي كان على الكومودينو، كنت بفتحه كل شوية، براجع سجل المكالمات، وبدخل على رسايل الواتساب، يمكن ألاقي مسج واحدة، عتاب، توبيخ.. أي حاجة تقول إنهم لسه فاكرين إني موجود، أو إن ليا مكان في حياتهم. بس مفيش، مفيش أي أثر.
حتى التليفونات اللي كنت ببعتها لسمر، كانت بتوصل، بس مفيش رد. كانت بتشوف الرسايل -علامتين الصح الزرقاء بتظهر- بس مفيش حرف واحد بيرد على كل الوجع اللي ببعته.
بمرور الأيام، بدأ يقين مرعب يتسرب لقلبي.. سمر مش بس سابت المستشفى، سمر سابت حياتي، سابتني وخدت معاها البنات وقطعت كل الخيوط اللي كانت بتربطنا. عرفت في الأسبوع ده إن “الوصية” اللي كنت فاكرها طوق النجاة، كانت هي الحبل اللي خنقت بيه نفسي، وهي السكينة اللي قطعت بيها علاقتي باللي فعلاً كانوا بيحبوني.
كنت قاعد على السرير، باصص لشباك الأوضة، شايف الناس بره ماشية في حياتها عادي، وأنا بقيت غريب في دنيتي.. بقيت لوحدي رغم إنهم حواليا، وحيد رغم وجود اللي كنت بخبي وجودهم عشان أرتاح. الأسبوع ده علمني إن في كسور مفيش دكتور ولا عملية تقدر تعالجها، وإن الندم لما بييجي متأخر، بيكون طعمه أمر من الموت نفسه.
المشكلة الاكبر اللى حسستنى انى صغير لما خرجت وواجهتها
اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى، كان جسمي لسه مكسر، بس روحي كانت أكتر كسر. ركبت العربية ووجهتي كانت بيتي.. بيتنا اللي بنيته لبنة لبنة، اللي كنت فاكر إنه الملاذ اللي هرجعله مهما غبت.
وقفت قدام باب الشقة، إيدي كانت بترجف وأنا بطلع المفتاح. دخلت، البيت كان هادي.. هدوء غريب، هدوء مقابر. لقيتها قاعدة في الصالون، مش بتعمل حاجة، بس باصة للفراغ، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
بصيت لها، ملامحها كانت صخر، لا حزن، لا فرح، لا عتاب. مشيت ناحيتها بخطوات تقيلة، قلت بصوت مكسور:
“أنا جيت.. أسبوع كامل كنت في المستشفى بين الموت والحياة، ولا حتى تليفون.. لا أنتي، ولا البنات. ليه يا سمر؟ ليه هونت عليكي؟ ده حتى العدو بيسأل عن عدوه في محنته!”
وقفت، واتحركت ببطء ناحية الشباك، بصت للشارع من غير ما تلتفت ناحيتي. سكتت ثواني، السكوت ده كان بيقطع شراييني، وبعدين لفت وشها ليا، عينها كانت ناشفة تماماً، وقالت بصوت هادي، بارد، وقوي:
“كنت بسأل نفسي طول الأسبوع ده سؤال واحد.. هو أنا كنت عايشة مع مين؟ أنا اللي كنت فاكراك راجل بيحمي، اكتشفت إني كنت عايشة مع سر مدفون، ووصية مبنية على خذلان.”
حاولت أقاطعها، أدافع عن نفسي، بس هي رفعت إيدها وقطعت كلامي:
“مش عايزة أسمع مبررات. أنا سألت عنك، وعرفت إنك خرجت من العملية بالسلامة، ده كان كفاية عشان أرتاح ضميرياً. بس اللي ما عرفتوش.. هو إزاي أسامح نفسي إني فضلت مغيبة سنين، وإزاي أرجع أبدأ يومي تاني وأنا شايفة في عيون البنات صورة أبوهم اللي نسي وجودهم في لحظة موته.”
بلعت ريقي بصعوبة، لساني عجز عن الرد. قربت مني خطوة، بصت في عيوني بنظرة أخيرة، وقالت:
“أنا ما زرتكش لأني كنت بموتك جوايا، وبدفن أي ذكرى ربطتني بيك عشان أعرف أكمل. أنا مش عايزة أعاتبك، ولا عايزة أسمع أعذار تانية. اللي بينا انتهى يا أحمد في اللحظة اللي اخترت فيها ‘أمانتك’ التانية ونسيتنا نسيت توصينى على بناتى .. أنا عايزة الطلاق.”
كلمة “طلاق” نزلت عليّ زي الصاعقة، حسيت الأرض بتميد بيا. حاولت أتحايل، أقولها “عشان خاطر البنات”، “عشان العشرة”، بس سمر كانت أخدت قرارها، وبنت سد بيني وبينها، سد لا يمكن يتهد. كانت واقفة قدامي، مش بس بتطلب الطلاق، كانت بتعلن استقلالها عن حياة كنت فاكر إني بملكها، وطلعت هي اللي كانت مملكاني.
الكلمة رنت في وداني كأنها صوت رعد في ليلة شتا، حاولت أستوعب إن دي “سمر”.. سمر اللي كانت بتخاف عليا من نسمة الهوا، بقت واقفة قدامي بصلابة مش قادر أكسرها.
“طلاق؟” قلتها بصوت مخنوق ومكسور، “يا سمر ده إحنا عمر.. ده إحنا سنين وبنات! معقولة عشان غلطة، عشان لحظة خوف من الموت، تهددي كل ده؟”
بصتلي بهدوء مرعب، وقالت: “الغلطة مش في الجوازة نفسها يا أحمد.. الغلطة في ‘الاستغفال’. الغلطة إنك في اللحظة اللي كنت بتواجه فيها ربك، كان عقلك وقلبك ووصيتك مشغولين بيهم هما، مش بينا.. إحنا اللي شيلناك في تعبك ومرضك، إحنا اللي بنينا معاك الطوبة فوق الطوبة، فجأة بقينا بره حساباتك، بره وجودك.. بقيت أنا والبنات مجرد ‘تحصيل حاصل’.”
مشيت ناحية أوضة البنات، ووقفت بتبص للباب، وكملت بصوت مبحوح: “البنات لما عرفوا.. مش هقولك انهاروا، بس اتكسروا. اتكسروا لما عرفوا إن أبوهم اللي بيشوفوه بطل في حياتهم، كان بيخبي عليهم دنيا تانية، وكان بيوصي عليهم الغريب وناسي لحمه ودمه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *