انتقام ذكي من حماتي المتسلطه حكايات رولا
لحظة ما حماتي باعت بيتها عشان تسدد ديون أخو جوزي الضخمة، كنت عارفة بالضبط هي بتخطط لإيه بعد كده. عشان كده بعت بيتي بالراحة من غير ما حد يحس، لميت شنطي، وسافرت أغير جو. بعد 3 أيام، لقيتها بتتصل وهي بتصرخ: “أنا المفروض أعيش فين دلوقتي؟” ابتسمت ورديت عليها: “أكيد مش في بيت مبقاش بتاعي خلاص.” هي عمرها ما توقعت الحركة دي.
لحظة ما حماتي باعت بيتها عشان تسدد ديون القمار بتاعة أخو جوزي، كنت عارفة بالضبط إيه اللي حيحصل بعد كده.
هي مكنتش بتخطط تسألني لو ينفع تنقل تعيش في بيتي.
هي كانت بتخطط تعلن القرار ده وتفرض أمر واقع.
أنا اسمي مريم، ولمدة اثنا عشر سنة، كنت بتموت وبسمع ثريا، حماتي، وهي بتفكر الكل دايماً إن “العيلة دايماً بتيجي في الأول.” وطبعاً الكلمات دي كان معناها دايماً إني أضحي بوقتي، أو بفلوسي، أو بروقان بالي عشان ابنها الصغير، أسامة، اللي سبحان الله كان بيغرق في الديون كل سنتين.
لما ثريا اتصلت وهي طيرة من الفرحة تعلن إنها باعت بيتها عشان تنقذ أسامة للمرة المليون، كان صوتها طالع متحمس تقريباً.
“أنا هاجي أقعد معاكي أنت وأحمد شوية،” قالتها كده.
مكانتش بتستأذن ولا بتسأل.
بصيت لجوزي، أحمد، اللي كان قاعد ساكت تماماً قدامي في المطبخ.
مقالش لأمه لأ.
ولا حتى بصلي في عيني.
السكوت ده بالذات أداني الإجابة اللي كنت محتاجاها.
لحسن الحظ، كان في تفصيلة واحدة مفيش حد يعرفها غير المحامي بتاعي.
البيت مكانش ملكية مشتركة بيني وبين جوزي.
أنا كنت شرياه من سنين قبل ما نتجوز بفلوس ورثتها عن جدي وجدتي. وكان في عقد واضحة فيه الأمور تماماً إن الشقة دي ملكيتي الخاصة.
ثريا كانت فاكرة إن الشقة دي بتاعة “العيلة.”
بس بالقانون، الشقة دي كانت بتاعتي أنا وبس.
تاني يوم الصبح، اتصلت بسمسار العقارات.
“ممكن تعرض الشقة للبيع فوراً؟”
ضحك وقال لي:
“أنت بتتكلمي جد؟”
“عمري ما كنت جادة أكتر من دلوقتي.”
السوق في القاهرة كان مولع وقتها والمنافسة شديدة.
وفي خلال تمانية وأربعين ساعة، جالي عرض كاش بأعلى من السعر اللي كنت طالباه.
وافقت على طول.
والتسجيل ونقل الملكية خلصوا في خلال تلات أيام بس.
في الوقت ده، كنت لميت شنطتي، وحجزت إجازة في الساحل الشمالي عشان أروق أعصابي، وسلمت المفاتيح للملاك الجداد قبل ما أطلع برة القاطمة وافر المصرية كلها.
طبعاً مجبتش سيرة عن أي حاجة من دي لثريا.
بعد تلات أيام وأنا في الإجازة، تلفوني مكانش بيبطل رن من كتر المكالمات الفايتة.
ثلاثة وعشرين مكالمة من أحمد.
وسبعة عشر مكالمة من ثريا.
أخيراً، رديت.
“مريم!” ثريا كانت بتصرخ في التلفون.
“أنت فين؟”
“في إجازة في الساحل.”
“أنت لازم ترجعي فوراً!”
“ليه؟”
“إحنا واقفين برة باب شقتك!”
ابتسمت وأنا بصة على موج البحر.
“تقصدي الشقة اللي أنا باعتها؟”
سكوت تالم.
وبعدها بدأ الزعيق والصريخ.
“يعني إيه باعتيها؟!”
وقبل ما ألحق أرد، صوت تاني خالص دخل في الخط.
“عن إذنك يا جماعة،” راجل قالها بكل أدب.
“إحنا الملاك الجداد للشقة.”
صوت زعيق ثريا المجنون كان مسموع ومسمع في التلفون كله.
الجزء الثاني
لما رجعت بعد أسبوع، كل حاجة كانت اتغيرت.
مش بس عشان أنا باعت الشقة.
لا، عشان كل واحد فيهم اتجبر أخيراً يواجه الحقيقة اللي هربوا منها لسنين.
أحمد كان قاعد في فندق.
وثريا اضطرت تؤجر شقة مفروشة إيجار جديد لفترة قصيرة، بعد ما اكتشفت إن أسامة أصلاً مش هيعرف يستقبلها عنده عشان متأخر في إيجار شقته هو شخصياً!
وطبعاً أسامة كان بيلوم كل الناس، ما عدا نفسه.
لما أحمد دخل مكتب المحامي بتاعي، كان باين عليه التعب والهدد.
“أنت أحرجتي أمي يا مريم.”
شبكت إيديا في بعض وقلت له بهدوء:
“أنا حنيت مستقبلي.”
“كان ممكن تنبهينا على الأقل!”
“أنا نبهتكم.”
كشر واستغرب: “إمتى؟”
“على مدار سنين.”
فكرته بكل مناقشة دارت بيننا.
كل مرة كنت بقوله فيها إن مشاكل أسامة المادية مش مسؤوليتنا ولازم يحلها بنفسه.
كل عزومة وعيد لما ثريا كانت بتضغط علينا عشان نسلفه فلوس.
كل مصيبة كان بيعملها وتترمي في الآخر عليا إني أشيلها.
قلت له: “أنت كنت دايماً بتقول ‘نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين’.. مفيش ‘بعدين’ تاني خلاص.”
أحمد بص في الأرض ومعرفش يرد، مكانش عنده أي حجة.
المحامي بتاعي حط كذا ورقة على الترابيزة.
عقد الجواز والاتفاقات، عقد الشقة، وورق البيع والتسجيل.
كل ورقة كانت بتاكد نفس الحقيقة: الشقة طول عمرها بالقانون ملكيتي الخاصة. ومكنتش محتاجة إذن من أي حد عشان أبيعها.
أحمد سأل بصوت واطي: “يعني… مفيش أي حاجة أقدر أعملها؟”
“لأ.”
ثريا طبعاً رفضت تتقبل الواقع.
وجت المكتب بعد الضهر في نفس اليوم.
“إزاي تعملي كده في العيلة؟!”
رديت بمنتهى الثبات: “العيلة مش بتتبرع ببيوت الناس التانية من غير ما تستأذنهم.”
شاورت على أحمد وقالت: “ده جوزك!”
“أيوة.”
“يبقى البيت بيته هو كمان!”
المحامي اتدخل بكل أدب: “قانوناً، البيت مش بيته.”
ثريا بصت له بغل وقالت لي: “أنت مخططة لكل ده!”
قلت لها: “لأ، أنا كنت مستعدة ليه بس.”
وبعدها ظهرت مشكلة جديدة.
الملاك الجداد للشقة عملوا محضر ومحضر إزعاج، لأن ثريا كانت بتروح هناك كل شوية، ورافضة تمشي من قدام العمارة، ومصرة إن الشقة لسه بتاعة “عيلتها”.
الشرطة كانت جتلها مرتين بسبب الموضوع ده.
ثريا كانت مصدومة: “أنا كنت بحاول أفهمهم بس!”
واضح إن الضباط مقتنعوش برأيها.
ولأول مرة في حياتها، ثريا كانت بتتعلم إن الفهلوة والافتراضات مش بتعمل ملكية.. العقود والأوراق هي اللي بتعمل.
الجزء الثالث
الشهور اللي بعد كده مكانتش سهلة خالص.
أنا وأحمد بدأنا نروح لدكتور استشارات زوجية عشان نعرف هل العلاقة دي ينفع تتصلح ولا خلاص.
المحادثات هناك كانت صريحة بشكل أعمق من كل السنين اللي قضينادها مع بعض.
الدكتور سأل أحمد سؤال واحد بسيط:
“ليه مقلتش لأمك إنها ينفعش تنقل تعيش معاك من غير ما ترجع لمريم وتتفق معاها الأول؟”
أحمد قعد ساكت تماماً لمدة دقيقة كاملة.
وبعدين رد:
“عشان كلمة ‘لأ’ لأمي كانت دايماً أصعب عليا بكتير من إني أزعل مراتي.”
الجملة دي بالذات لخصت 12 سنة جواز.
أحمد مكانش يقصد يؤذيني بشر، هو بس اتعود يهرب من المشاكل مع أهله، وكان مستني مني أنا إني أستحمل وأشيل النتيجة.
بس الحب من غير حدود في الآخر بيتحول لغل وزعل.
بعد كام شهر، قررنا نطلق بكل احترام.
من غير خيانة، ولا غدر، ولا محاكم ومشاكل.
مجرد اتنين بني أدمين استوعبوا إن كل واحد فيهم عايز مستقبل مختلف عن التاني.
الخطوات مشيت بهدوء لأننا إحنا الاتنين كنا فاهمين الوضع القانوني من الأول.
أما بالنسبة لثريا، الحياة علمتها الدرس اللي مفيش حد فينا قدر يعلمهولها.
أسامة في الآخر بدأ يروح لمتخصص استشارات مادية، ولقى شغلانة ثابته بعد ما استوعب إن مفيش حد خلاص هيفضل ينقذه طول العمر.
وثريا نقلت لشقة صغيرة على قدها وتقدر تدفع إيجارها، وبدأت بالراحة تتعلم الفرق بين إنها “تستأذن” وبين إنها “تفرض أمر واقع”.
بعد سنة تقريباً، عزمتني على قهوة.
قالت لي بصوت هادي: “أنا أنادينلك باعتذار.. أنا كنت فاكرة إن العيلة معناها إن الكل يضحي عشان أسامة.”
ابتسمت وقلت لها: “العيلة المفروض تسند بعضها.”
هزت رأسها وقالت: “بس الدعم حاجة.. وعشم الاستحقاق حاجة تانية خالص.”
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، صدقت إنها فهمت الدرس فعلاً.
لما بفتكر اللي حصل، بيع الشقة مكانش حب انتقام ولا عشان أعلم حد درس.
كان مجرد رفض مني إني أفرط في الحياة والبيت اللي تعبت عشان أبنيهم، لمجرد إن في حد تاني مستمر في قراراته الطايشة.
الناس دايماً بتتلخبط بين الحدود الصحسحة وبين الأنانية.. بس هما مش زي بعض خالص.
الحدود مش معناها إنك بتعاقب الشخص التاني.. هي مجرد خط بيوضح إيه اللي ملكك أنت، وإيه المسؤولية اللي تقع عليه هو.
بيع الشقة مكانش نهاية قصتي.. ده كان بداية لحياة جديدة، إحساس الذنب فيها مبقاش هو اللي بيمشي قراراتي.
وساعات، أجدع حاجة تعملها لنفسك وللناس اللي بتحبهم، إنك تبطل تنقذهم من نتائج أفعالهم اللي لازم يتعلموا منها.