جوزي كان بيحبس

رسائل قديمة.
وحتى أسماء أشخاص كنت فاكرة إنهم شافوا حاجات غريبة وسكتوا.
كنت فاكرة إن الدليل لازم يكون جملة واضحة.
لكن المحامي شرحلي إن الحقيقة مش دايمًا بتظهر في جملة واحدة.
أحيانًا بتظهر في نمط كامل.
تاريخ.
ساعة.
صوت.
رسالة.
شاهد.
وتصرفات متكررة.
كل واحدة لوحدها ممكن حد يحاول يفسرها.
لكن لما يتحطوا جنب بعض
الصورة بتبقى واضحة.
بعد أيام، بدأت التحقيقات.
وأصعب حاجة حصلت ما كانتش في القسم.
كانت لما قعدت قدام ناس كنت أعرفهم.
ناس كانت بتقوللي قبل كده
أكيد هو عصبي بس.
اصبري، كل الرجالة بتتعصب.
ما تكبريش الموضوع.
عشان الجنين، حاولي تهدي الدنيا.
دلوقتي كانوا ساكتين.
واحدة منهم قالتلي
أنا ماكنتش فاهمة.
بصيتلها وقلت
وأنا كنت محتاجة حد يفهم من غير ما أضطر أثبت إني بتوجع.
ما ردتش.
أما كريم
فحاول يعمل آخر حركة.
بدأ يقول إني كنت بألف كل حاجة.
وإن التسجيلات متقطعة.
وإن بينا مشاكل زوجية.
وإنه كان بيحاول يأدبني.
لكن المحقق سأله سؤال واحد
لو مفيش حاجة حصلت، ليه كنت بتحاول تمسح التسجيلات؟
ما عرفش يرد.
وبعدها ظهرت رسائل كان باعتها لنفسه في مواعيد متطابقة مع التسجيلات.
ثم ظهرت كاميرات من مدخل العمارة.
ثم شهادة الجارة.
ثم سجل مكالمة كان هو بنفسه اتصل فيها بشخص قريب منه، وكان بيتكلم عن اللي حصل بالليل.
الكلام اللي كان فاكره عادي
بقى ضده.
وأكتر حاجة هزته إن واحدة من قرايبه، اللي كانت دايمًا بتقوللي
إنتِ حساسة زيادة.
اعترفت إنها شافت آثار خوف عليّا أكتر من مرة.
وقالت
أنا كنت بخاف منه أنا كمان ففضلت ساكتة.
الجملة دي وجعتني.
لكنها في نفس الوقت علمتني حاجة
الخوف أحيانًا بيخلّي الناس تسكت.
لكن سكوتهم ما يخلّيش اللي حصل مش حقيقي.
مرت الشهور.
كنت في مكان آمن.
والحمل كان بقى أصعب نفسيًا من جسديًا.
كل صوت باب كان بيخليني أتوتر.
كل مرة أسمع مية وهي بتنزل، جسمي كان بيتشد تلقائيًا.
كنت أفتكر.
لكن الفرق إن الذكرى بقت في الماضي.
مش في الحاضر.
وبعد فترة
جاء اليوم اللي عمري ما هنساه.
ولدت ابني.
أول ما حطوه على صدري، فضلت أبصله من غير كلام.
كان صغير.
دافي.
وبيتنفس بهدوء.
قربت وشي منه وهمست
أنا آسفة إنك عرفت الخوف قبلي.
ثم سكت.
وبعدها ابتسمت.
بس أوعدك هتعرف الأمان أكتر بكتير.
بعد الولادة بفترة، جالي اتصال من المحامي.
قال
القضية وصلت لمرحلة حاسمة.
ما سألتش عن العقوبة.
ما كنتش مستنية رقم.
كنت مستنية حاجة أهم.
إنه ما يبقاش قادر يرجع لحياتي.
وبالفعل، صدر الحكم بعد استكمال الإجراءات.
أدين بالاعتداء والعنف الأسري، وصدر بحقه حكم قضائي مناسب لما ثبت في القضية، مع تدابير قانونية تحميني وتحمي ابني من التواصل أو الاقتراب غير المسموح به.
لما سمعت الحكم
ما فرحتش.
الغريب إني ما حسيتش بالانتقام.
حسيت بالراحة.
كأن بابًا ضخمًا اتقفل أخيرًا.
باب كنت واقفة قدامه شهور وأنا خايفة إنه يتفتح تاني.
بعدها بسنة تقريبًا، رجعت للشقة القديمة.
مش عشان أعيش فيها.
كنت راجعة آخد آخر حاجات ليا.
وقفت عند باب الحمام.
المكان نفسه.
المروحة نفسها.
الصوت نفسه.
لكن أنا ما كنتش نفس الست اللي كانت بتستخبى هنا.
وقفت شوية.
طلعت الموبايل.
كان لسه عليه التسجيلات.
فتحت أول تسجيل.
سمعت صوت نفسي القديم.
صوت واحدة مرعوبة.
قفلت التسجيل.
وقلت بصوت مسموع
أنا صدقتك.
ثم ضحكت بحزن.
دلوقتي أنا مصدقة نفسي.
مسحت التسجيلات من موبايلي.
مش لأنّي نسيت.
ولا لأنّي ما بقيتش محتاجة الدليل.
لكن لأن الدليل بقى محفوظ في مكان آمن، والقضية انتهت.
وأنا ما عدتش محتاجة أعيش كل ليلة من جديد.
خرجت من الحمام.
قفلت الباب.
ومشيت.
بعد سنين، ابني بقى أكبر.
وفي ليلة شتوية، كان قاعد جنبي على الكنبة، بيتفرج على فيلم كرتون.
بصلي فجأة وقال
ماما، إنتِ ليه ساعات بتخافي لما حد يعلي صوته؟
ابتسمت.
ما حبيتش أحمله حاجة أكبر من سنه.
قلت
عشان زمان كنت بخاف.
سألني
ودلوقتي؟
بصيتله.
دلوقتي أنا مش لوحدي.
حضنني.
وسكتنا.
وبعد شوية، قام يجيبلي بطانية.
وهو راجع قال
غطي نفسك يا ماما، الجو برد.
ضحكت.
دخلت البطانية حوالين كتفي.
وفكرت في الليلة اللي كنت واقفة فيها عند باب الشقة، ماسكة شنطتي، والموبايل مستخبي في إيدي، ومش عارفة إذا كنت هخرج ولا لأ.
وقتها كنت فاكرة إن النجاة معناها إني ألاقي حد ينقذني.
لكنّي فهمت بعدين إن النجاة أحيانًا بتبدأ بلحظة صغيرة جدًا
لحظة تصدقي فيها نفسك.
وتبطلي تستني العالم كله يوافق على وجعك عشان تسمحي لنفسك تهربي منه.
بصيت لابني وهو بيضحك قدامي.
وقلت لنفسي
أنا ما قدرتش أغيّر اللي حصل.
لكن قدرت أوقفه.
وده كان كفاية.
لأني في النهاية
ما خرجتش من الحكاية وأنا الست اللي استنت حد ينقذها.
خرجت منها وأنا الست اللي أنقذت نفسها
وأنقذت طفلها معاها.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *