دخلت المستشفى في القاهره
الطبي الخاص بالمستشفى. فتح الغلاف ببطء وكأن الورقة بداخلها قنبلة موقوتة.
النتيجة تطابق بنسبة 99 9 الأب البيولوجي للطفلين هو آدم محمد الشناوي.
سقط التقرير من يده على المكتب. شعر أن الأرض تهتد من تحت قدميه.
إذن، لم تكن خائڼة.
الكلمات ترددت في عقله كالمطارق. كل الأكاذيب التي نسجتها عائلته قبل خمس سنوات اڼهارت دفعة واحدة أمام عينيه. أدرك الآن لماذا اختفت تماماً، ولماذا كانت تبكي بذلك القدر من الحړقة يوم طردها. لقد كانت مظلومة طوال هذه السنين، تعيش في العڈاب والفقر والخفاء تربي أطفالاً يحملون دمه، بينما هو كان يغرق في عمله ظناً منه أنه بطل القصة.
وفي تلك اللحظة، فتحت باب الغرفة ببطء.
كنت أقف على باب المكتب، أستند إلى الجدار، وجهي أصفر شاحب، وعيناي ممتلئتان بالدموع والضعف الخالص. كنت قد استيقظت،وعندما سألت الممرضات عن أطفالي وعن الدكتور الذي أجرى العملية، أخبروني أنه آدم الشناوي، وأن طفليّ في آمان بفضل الله ثم بفضله.
رآني آدم، فوقف مكانه كالمصډوم.
لم يجد الكلمات المناسبة ليبدأ بها الحديث. تقدم نحوي بخطوات بطيئة ومرتجفة، وعيناه ممتلئتان بمزيج من الذنب الهائل والشوق القديم.
هانا… ردد اسمي بتهدئة وخوف، وكأنني شبح إن تحرك نحوه بسرعة قد يختفي.
رفعت يدي الضعيفة لأمنعه من الاقتراب أكثر، وقبضتاي مشدودتان، بينما سالت دموعي على وجنتي بصمت، لكن نبرة صوتي كانت قوية بما يكفي لتخترق قلبه
ابعد عني يا آدم… أنت كَسَرْتني مرة، ودلوقتي جاي تدور على إيه؟ جاي تتأكد إنهم ولادك عشان عائلة الشناوي ترتاح؟ ولا عشان ضميرك يرتاح بعد خمس سنين من الظلم؟
توقف آدم مكانه، وظهر الألم على وجهه بشكل لم يره أحد من قبل. ركع ببطء أمامي على الأرض، وأمسك بطرف ردائي بخفة، وقال بصوت مخټنق بالدموع
أنا أسف… أقسم بالله ما كنت أعرف… أهلي كذبوا عليّا، وأنا كنت غبي ومغرور، ظننت نفسي أفهم كل حاجة. سامحيني يا هانا… أرجوكِ.
نظرت إليه وأنا أهز رأسي ببطء، وقلبي المكسور ېنزف للمرة الثانية
السماح مش بالساهل يا آدم. الحكاية انتهت من خمس سنين، واللي جمعنا النهاردة مش الحب، ده القدر… بس ولادي، ولادي خط أحمر، مش هسمح لأي حد، حتى لو كنت أنت وعيلتك، تقربوا منهم أو تاخدوهم مني.
نهض آدم ببطء، وعيناه تلمعان بدموع الندم، لكن ملامحه تحولت إلى حزم فولاذي لا يلين.
ولادك هم ولادي أنا كمان، ومش هسمح لحد ياخدكم تاني أبداً، لا أهلي ولا أي قوة في الدنيا. هصلح كل حاجة يا هانا… حتى لو اضطريت أحارب العالم كله لوحدي.
نظر إليّ نظرة طويلة مليئة بالعزم، بينما كانت أنوار القاهرة تضيء من نافذة المكتب معلنة بداية فجر جديد، فجر قد يكون أقسى، أو ربما بداية لحياة أخرى لم تكن في الحسبان.
الفصل الخامس والأخير شروق جديد فوق القاهرة
مرت أسابيع على تلك الليلة الفاصلة في مستشفى سانت كاترين. لم تكن الأيام سهلة؛ فعائلة الشناوي حاولت التدخل فور علمها بأن لآدم طفلين توأم من الفتاة القديمة التي طردوها قسراً، لكن آدم وقف في وجههم بكل جبروته وثروته وسلطته الطبية. لقد أخبرهم بكل حزم أن أي محترش أو تدخل في حياتنا سيعني إعلانات الحړب وقطيعة تامة لا رجعة فيها، وانسحب من إدارة الشركات العائلية الكبرى ليتفرغ تماماً لمستشفاه وحياتنا الجديدة.
في شقة هادئة ومطلة على نهر النيل، بعيداً عن صخب القصور الفاخرة وضغوط العائلات، كنت أجلس على الأريكة وأمامي سرير الأطفال الصغير.
كان الصغيران ينامان بسلام، وأنفاسهما المنتظمة تملأ المكان دفئاً.
شعر آدم بالباب يفتح بهدوء، ودخل
حاملاً صينية الشاي وبعض الفواكه. كان قد تخلى عن بدلته الرسمية الفاخرة وارتدى ملابس منزلية بسيطة، وبدت على وجهه ملامح الراحة لأول مرة منذ سنوات طويلة.
اقترب مني ببطء، جلس بجانبي على الأريكة، ووضع يده الدافئة بحنان على كتفي.
لسه تعبانة يا هانا؟ سأل بصوت هادئ ومحب.
هززت رأسري نافية، ونظرت إليه نظرة امتزج فيها العفو بالۏجع القديم الذي بدأ يندمل ببطء
بقيت أحسن بكتير… وجودهم معايَ ومعاك هو اللي بيخليني أنسى كل اللي فات.
نظر آدم إلى طفليه النائمين بعينين دامعتين من التأثر، ثم الټفت إليّ، وابتسم بحزن جميل
عارف إني مش هقدر أمحي السنين اللي راحت، ولا الۏجع اللي سبته في قلبك… لكن بوعدك يا هانا، هأكري حياتي كلها عشان أثبت لك إن الکابوس انتهى، وإني هكون الظهر والسند اللي تحتاجي له طول عمرك.
مددت يدي ببطء، وترددت لثانية، ثم وضعتها على كفه الدافئ.
كان المطر قد توقف خارجاً، وبدأت أشعة الشمس الذهبية لشروق شتوي جديد تخترق زجاج النافذة، لټغرق الغرفة بدفء ونور حقيقيين.
أدركت حينها أن بعض القصص تبدأ بالمۏت والڼزيف والدموع، لكنها، بفضل الصبر والصدق والمواجهة، قد تنتهي بولادة جديدة لقلوب ظنت أنها ماټت للأبد.