بعد ١٤ ساعه ولاده حكايات رولا

“أنا مش الخطة ج بتاعتكم ولا البنك اللي بتلجأوا له. مش هقدم أي مساعدات تانية. تحترموا حدود بيتي، وجوازي، وبنتي.. غير كده مفيش وجود ليكم.”
​رد مها كان انفجاري وسريع.. اتهمتني إني بفضحهما وبذلها. وأمي بعتت إيميل طويل بتدعي فيه إني باخد “الأمومة حجة عشان أتهرب من بر الوالدين”.
​بس مها هي اللي استخدمت الورقة الأخيرة والمسمومة:
​بعتت رسالة على موبايل أحمد، وهي عارفة إن موبايلي مقفول: “ماشي.. خليكي قاعدة في الفقاعة المعقمة بتاعتك. بس ابقي اسألي جدتك كثرية عن الحاجات اللي أباكي المظلوم عملها زمان قبل ما يموت.. حاجات لو القوات المسلحة عرفتها كانت طيرت رتبتك. أسبوع سعيد يا هانم.”
​الفصل الخامس: العفن تحت البلاط
​الرسالة دي نزلت عليا زي ضربة بونية في قفصي الصدري.
​أبويا كان متوفي وأنا عندي 12 سنة. كان راجل هادي وفي حاله، دايماً يحب يتوارى في الخفاء. الإيحاء بأنه كان مخبي سر أسود يطير مستقبلي الشغلي عمل جوايا حالة بنك ورعب شلل.
​غريزتي -اللي اتدربت عليها 30 سنة- كانت بتصرخ جوايا عشان أستسلم: “ابعتي الـ 30 ألف جنيه! ابعتيهم حالا واشتري سكوتهم! احمي اسم أباكي!”
​إيديا كانت بترتعش لدرجة الموبايل كان هيقع مني. بدأت أكتب رسالة متوترة وبترجى مها تشرحلي.
​إيد أحمد الكبيرة والملمسها خشن مسكت إيدي بالراحة، وشد الموبايل مني.
​بصلي وقال بصرامة وهدوء: “بصيلي يا سلمى.. دي اشتغالة! ده كارت محروق بيلعبوا بيه عشان يرجوعكي للمتاهة تاني.”
​”بس افرض يا أحمد…”
​”لو كان معاهم سلا..ح حقيقي، كانوا ضربوه من أسابيع!” كمل بحسم. “كلمي الحجة كوثرية.. واقطعي الشك باليقين.”
​جدتي كوثرية كانت هي الست القوية والحرّة في العيلة. عايشة في الإسكندرية وما بتطيقش حركات وأفلام أمي.
​طلبت رقمها، ردت من ثالث رنة بصوتها المبشروخ من سجاير كليوباترا اللي ما بتفارقهاش.
​قالت من غير مقدمات: “أهلاً.. كويس إنك افتكرتي تتصلي.”
​أخدت نفس بل بالعافية: “يا تيتا… مها بتقول إن فيه سر عن بابا.. حاجة ممكن تدمرني وتدمر شغلي.”
​ضحكة ضحكتها الساخرة المعروفة طلعت عبر السماعة:
“يا دي النيلة! لسة بيلعبوا بالكارت القديم الصدي ده؟” اتنهدت بحسرة، وكمّلت: “سلمى.. اسمعيني كويس. ‘السر‘ الوحيد بتاع أباكي إنه كان راجل ضعيف وشخصيته أضعف، ساب أمك تجرجر رجليه وتسحب قروض وكروت ائتمان بـ 200 ألف جنيه في السر لحد ما قلبه توقف ومات من الهم. ما عملش أي حاجة غير قانونية.. كان مجرد راجل غلبان وضعيف.”
​الهوا رجع لرئتي تاني.
​كملت جدتي: “أمك بنت العيلة دي كلها على قواعد من الذنب والمظلومية المزيفة.. أقنعت مها إنها ضحية العالم، وأقنعتك أنتِ إنك المنقذ الوحيد ليها. الحدود مش هي اللي بتخرب العائلات يا حبيبتي.. الحدود بس بتكشف العفن اللي كان بياكل في الخشب من زمان.”
​قفلت السكة مع جدتي. وبصيت حواليا في الصالة الهادية.. الشمس كانت داخلة من الشباك بتنور الهوا الرايق.
​حياتي عمرها ما كانت باظت.. حياتي كانت ماشية بالظبط زي ما أمي خططت لها: أكون أنا الموتور اللي بيشيل قرفهم وعدم مسؤوليتهم.
​ولأول مرة في حياتي… مدين إيدي وفصلت الفيشة تماماً.
​الفصل السادس: أرض السيادة
​بعد 3 شهور، الروتين العسكري أخيرًا خدمنا. أحمد جاله قرار نقل وترقية لقطاع قريب من الإسماعيلية.
​لم العفش والتوضيب ما كانش هروب.. كان انسحاب تكتيكي لموقع أعلى وأقوى. سبنا وراينا الشقة اللي أصبحت ملوثة بذكريات واستغلال أهلي.
​بيتنا الجديد في الإسماعيلية كان أصغر، بس الهدوء الرهيب اللي جوا جدرانه غير كيميا عقلي. مفيش رسائل زن بتتهز الساعة 3 الصبح.. مفيش رعب وضربات قلب لما عربية تهدي قدام البيت.
​لأول مرة في حياتي وأنا ست كبيرة، قدرت أسمع صوت أفكاري الداخلية.. والصوت ده أخيرًا بقى بتاعي أنا بس.
​بعد 6 شهور من حياتنا الجديدة، الموبايل رن.. اسم “مها” ظهر على الشاشة.
​سبته يرن 3 مرات. قست نبضي.. كان منتظم ومستقر. فتحت السكة.
​”ألو؟”
​”أنا… أنا نزلت شيفت تاني في المستشفى.” مها قالتها بصوت تعبان، من غير الدرع المتكبر العريض بتاع زمان. “أنا بس… كنت عاوزة أقولك إني بشتغل وقت إضافي.”
​ما باركتش ولا أخدت الموضوع بحماس.. فضلت ساكتة وبستمع.
​همست وصوتها بيتخنق: “أنا أخيرًا فهمت.. أنا كنت بستخدمك كعكاز لأني كنت خايفة أواجه حياتي وأبنيها بنفسي. كان أسهل عليا أخد فلوسك من إني أصلح أخطائي.”
​اعتذرت.. ما كانش اعتذار درامي عشان تاخد سلفة جديدة، كان اعتذار صغير، وفيه ثقل الحقيقة لأول مرة.
​ما قلتلهاش “ولا يهمك خلاص حصل خير”.. سبتها تقعد في عدم الراحة بتاع أفعالها.
​رديت: “شكراً إنك قولتي كده يا مها.. أنا مقدرة ده.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *