بعد ١٤ ساعه ولاده حكايات رولا
وش ماجدة احمرّ بدموية وبشاعة. وهم “صلة الرحم” و”العيلة” اتبخر تماماً، وما بلقاش فاضل غير حقد وغل مكشوفين.
وقالت بقرف وسخرية: “يا أنانية يا معقدة! فاكرة لما لبستي البدلة العسكرية وبقيتي ظابطة إنك بقيتي أحسن مننا؟ فاكرة إن شغلانتك دي تديكي الحق تبيعي أهلك الحقيقيين عشان كبرياءك الفارغ؟”
قربت مني خطوة وقصدت تضيق عليا المسافة. ريحة برفانها القوية دخلت في مناخيري واختلطت بشكل يوجع البطن مع ريحة لبن الأطفال على هدومي. ووطت صوتها لفحيص خبيث: “أنتِ فاكرة إن جوزك هيفضل يحميكي مننا لما يرجع خدمته على الحدود؟”
كلمة “مننا” فضلت معلقة في الجو.
كانت لحظة كشف وتنوير مرعبة.. وفي نفس الوقت كانت محبرة حرية! الموضوع عمره ما كان حب عائلي، دي كانت عصابة.. تدير عملية تحكم واستغلال وابتزاز عاطفي. أنا قضيت 10 سنين بدفع إتاوة للعيلة دي لمجرد إنهم يستحملوا وجودي!
قلت بصوت قاطع وأنا بمد إيدي الناحية التانية: “اخرجي بره.. اطلعي بره بيتي حالا، يا إما هكلم الشرطة العسكرية فوراً تشيلك وتطردك بره!”
بصتلي بنظرة استخفاف ولفت وهي ماشية: “هتندمي! هتفضلي لوحدك، ولما جوازتك دي تفشل مش هتلاقي كلب يسأل فيكي!”
رديت عليها: “أنا هغير كالون الباب ده كله قبل ما الشمس تغرب النهاردة.”
رزعت الباب وراها بعنف لدرجة إن الصور المتعلقة على حيطة الممر اهتزت من قوتها.
ما اتهزتش. مشيت على المطبخ، وطلبت الفني يغير الكالون بإيد واحدة وأنا شايلة فريدة، وبعدها قعدت على الأرض.. مسكت فريدة عند قلبي، ولأول مرة من أيام… قدرت أتنفس بجد.
بس المحاصرة ما انتهتش.. أنا قطعت شريان الفلوس عنهم، وهما كانوا بيجهزوا نفسهم عشان يحاربوني بكل طاقاتهم.
الفصل الرابع: نقطة الانهيار
الأسابيع اللي بعد كدة ما كانتش حرية سهلة ونظيفة.. كانت حرب استنزاف نفسية طاحنة.
أمي ومها غيروا التكتيك لما لقوا القوة الغشيمة فشلت. فتحوا عليا طوفان رسائل الموبايل اللي بينقلب في لحظة من مآسي تطير العقل لإهانات وشتائم في شرفي وأخلاقي.
بعتتلي ماجدة يوم الاثنين: “الكهرباء هتتقطع عن شقة مها يوم الثلاثاء.. أتمنى تتمددي في شقتك التكييف والمية دافية ونسايبك وولاد أختك بيتجمدوا من البرد.”
بعد يومين، ولما الكهرباء طبعاً ما اتقطعتش ولا حاجة، استلمت مها الدفة: “أكيد شعور جميل إنك تعملي فيها الست المعلمة فوق أهل دمك! افرحي ببرجك العاجي.”
وبعدها بساعات كملت ماجدة ضرب في أكتر نقطة بتوجعني: “ما تنسيش إنك ما كنتيش تسوي حاجة قبل ما تلبسي البدلة دي وتعملي لنفسك قيمة على حسابنا!”
نشفت دماغي ورفضت أعملهم بلوك. كنت بأقنع نفسي إني “بجمع أدلة قانونية”، بس الحقيقة المرة والمرعبة اللي كانت جوايا هي إن فيه طفلة مكسورة جوايا كانت لسة مستنية رسالة واحدة بس منهم تقول: “أنت عاملة إيه يا سلمى؟ اطمنا عليكي وعلى البيبي؟ إحنا بنحبك.”
الرسالة دي ما جتش أبداً.
بعد أسبوعين من الولادة، الضغط العصبي المالي والنفسي قدر أخيرًا يكسر دفاعاتي الجسدية.
كنت واقفة عند تربيزة المطبخ بحاول أعاير معالق اللبن في البزازة.. وفجأة، النور اللي في الشقة زاد زغللة بشكل مرعب، ورخامة المطبخ بدأت تميل بيا كأني واقفة على مركب في وسط عاصفة.
ضغط هائل وأعمى ضرب نفوخي ورا عينيا. قلبي بدأ يضرب في قفصي الصدري بسرعة جنونية زي طبول الحرب. بصيت لإيديا لقيتها بترتعش بدرجة رهيبة مش قادرة حتى أمسك معلقة البلاستيك.
رعب كاسح وبارد مسك في ريتي.. مش قادرة أتسحب ولا أخد نفسي!
بتكتكة وقدرة بالعافية، زحفت لحد الصالة، حطيت فريدة بالراحة في سريرها الصغير، ووقعت على كرسي السفيرة. الدنيا اسودت في أطراف عيني. أنا بتموت.. الفكرة دي جمدتني. أنا بتموت وبنتي هتفضل لوحدها!
سحبت الموبايل بالعافية وطلبت “مريم”، جارتي اللي جوزها ظابط معايا في نفس القطاع. أول ما شافت وشي المحمر وإنسانية عيني المتوسعة، شالتنا في عربيتها وكسرت كل السرعات عشان توصلني لمستشفى الجلاء العسكري.
الممرضات في الطوارئ ما ابتسموش.. ركبوا حزام جهاز الضغط على دراعي، وشافوا الأرقام بتطير لفوق، ودخلوني فوراً على غرفة الإنعاش. ضغطي كان طالع لأرقام كارثية تموت بسكتة دماغية! كانت حالة تسمم حمل متأخر حادة، الناتجة والمشتعلة بسبب الأدرينالين المتواصل اللي عيلتي كانت بتحقنه في دمي.. عيلتي كانت بتدمر قلبي بالمعنى الحرفي!
لما قدرت أخيرًا أكلم “أحمد” جوزي، الخوف في صوتي كان واضح جداً. أحمد ما قاليش كلام معسول ولا طيب خاطري بالشكل التقليدي.. أحمد تحول فوراً لعقلية ظابط في الجبهة. سألني على قراءات الضغط، وأسماء الدكاترة المتابعين، والأدوية اللي بتنزل في المحلول.
وبعدها قفل الموبايل، وارتجل وتخطى سلسله القيادة بتاعته، ودخل على قائد الكتيبة بنفسه عشان يطلب إجازة عائلية طارئة.
تاني يوم الصبح، باب الأوضة اتفتح، وأحمد دخل.
كان لسة ببدلته العسكرية، غرقان تراب سفر، وعينيه حمرا دم من كتر السواقة طول الليل من سيوة للقاهرة. بس الطاقة المجنونة والمرعبة اللي كانت في الأوضة هديت فوراً أول ما دخل. قرب من سريري، باس دماغي، وبص على شاشات النبض والضغط.
ما طلبش مني حكايات وبكاء عن الدراما اللي حصلت.. مد إيده المفتوحة وبس: “ديني الموبايل يا سلمى.”
فتحتله الجهاز وحطيته في إيده.
قعد على الكرسي الجلد جنب السرير وسجل مسودة رسالة من أكونتي. كانت خالية تماماً من المشاعر، مكتوبة بالدقة القاتلة لإنذار قضائي: قايل فيها بوضوح إني تعرضت لحالة طبية طارئة هددت حياتي بسبب الضغوطات، وإن أي تواصل غير مرغوب فيه بعد كده هيتعتبر استهداف ومضايقة صريحة، وهيتعرض فوراً على النيابة العسكرية والشؤون القانونية بالقطاع.
وداس “إرسال”.
في خلال 4 دقائق، أمي حاولت تتصل بالموبايل. أحمد بص للشاشة وهي بتنور.. ما رفضش المكالمة، بكل بساطة قلب الموبايل “وضع الطيران”، وسكت الصوت تماماً، وحط الموبايل جوه شنطته العسكرية.
وقال بصوت واطي وهو بيشد الملاية على كتفي: “نامي يا سلمى.. أنا ماسك النبطشية.”
وأن أنام، جوزي كان بيفرتك وبيقطع كل طرق وصول عيلتي لحياتي. جمع سكرين شوتس، وثّق التواريخ والساعات، وعمل ملف رقمي متقفل بالكامل. عشان لو أمي حاولت في يوم تبيع القصة وتطلعني أنا الابنة العاقة، أحمد كان معاه الإثباتات الدامغة ومحفوظة في أكتر من مكان.
لما ضغطي استقر وخرجت بعد 3 أيام، أحمد سلمني دوسيه مطبوع. وأنا بقلب في الورق ده، الحقيقة المرة بتاعة حياتي ظهرت ناصعة بياض: دي ما كانتش عيلة بتعافر في ظروف صعبة.. دي كانت منظمة استغلالية! كانوا محتاجيني أكون الخزينة الدائمة ليهم، ولما حاولت أقف على حيلي، حاولوا يكسروا رجلي بالمعنى الحرفي.
قعدت على سفرة بيتي وكتبت بياني الأخير: