خدي الورث وخديها معاكي ج١ منال علي
الجزء الاول
خدي الورث.. وخدِيها معاكي!
«كنتي عايزة ورث أمي؟ مبروك عليكي.. بس خديها هي كمان معاكي»، قولت الجملة دي لأختي وأنا بقفل الباب ورايا وخارجة.
كان الجو في شهر مارس فيه نسمة برد من بتاعة آخر الشتا. كنت واقفة في طرقة شقة أمي، بحاول أقفل سوستة الجاكت بإيد بتترعش، وأنا سامعة من ورا باب الأوضة المقفول صوت زعيق أمي لـ “منى”: حكايات منــال عـلـي
«إزاي تسيبيها تمشي؟ بنت جاحدة! ده أنا اللي ربيتها وكبرتها، وفي الآخر بترميني وتتخلى عني!»
ضحكت بمرارة.. «ربتني!».. والله نكتة.
شنطتي الأخيرة كانت محطوطة في الطرقة. بصيت بوجع لحيطان الشقة اللي دهانها بيقشر، وللبلاط القديم اللي كنت بمسحه كل يوم بإيدي طوال تلات سنين فاتوا. الطرقة دي كانت حافظاني وأنا عيلة صغيرة.. فاكرة دموعي لما أمي كانت بتقول مرة ورا التانية: «منى هي اللي حلوة، لكن إنتي اللي شاطرة ودحيحة.. كل واحدة وليها دور». الطرقة فاكرة لما كنت برجع من مدرستي وأدخل المطبخ فوراً أعمل الأكل عشان أمي تعبانة من الشغل، في حين إن “منى” كانت «رقيقة وحساسة زيادة عن اللزوم وما ينفعش تتعب نفسها في شغل البيت». حكايات منــال عـلـي
«يا “هناء”.. إنتي بجد ماشية؟»
ظهرت منى عند الباب، كانت لابسة روب ستان فيروزي جديد—الروب اللي أنا كنت شارياه هدية لعيد ميلاد أمي، بس بقدرة قادر انتهى بيه الحال إنه بقى بتاع أختي.
«أيوه ماشية»، قلتها ببرود وأنا برفع الشنطة.
«بس إحنا كان بينا اتفاق! قلتي إنك هتفضلي مع ماما فترة كمان!»
نزلت الشنطة في الأرض ولفيت لها بالراحة:
«اتفاق؟ بجد يا منى؟ أنا بقالي مع أمك تلات سنين.. تلات سنين من غيار الحفاضات، والطبيخ، وغسيل الهدوم، والجري على الدكاترة في المستشفيات.. تلات سنين باخد إجازات من شغلي عشان ألاحق على مواعيد علاجها.. تلات سنين من غير خروج، من غير صحاب، من غير حياة.. وإنتي؟ كنتي بتيجي مرة في الشهر تقعدي ساعتين، تبوسي أمك وتاخدي لقطتين وترجعي لحياتك “المثالية”».
«ما أنا بشتغل!»، منى ربعت إيديها وقالت: «مش قادرة أسيب كل حاجة زيك!»
«أنا مسبتش حاجة.. أنا حولت شغلي كله “أونلاين” بالعافية عشان أعرف أراعيها.. إنتي بس اللي مكنتيش عايزة تيجي».
«ده ظلم»، منى لوت بوزها، وفي اللحظة دي شوفت فيها نفس البنت المدلعة اللي كانت دايمًا بتاخد الحتة الكبيرة من الصينية، والعروسة الأشيك، وكل حنان أمي. «أنا كمان بحب ماما».
«عارفة»، قلت وهزيت راسي: «وبالذات شقتها.. أوضتين وصالة في وسط البلد، وموقع لقطة، مش كدة؟»
وشها جاب ألوان: «إنتي قصدك إيه؟»
طلعت من جيب الجاكت ورقة متكرمشة—صورة من “عقد التنازل” اللي لقيته بالصدفة من يومين وأنا بدور وسط ورق إشاعات أمي حصري على صفحه روايات واقتباسات
«قصدي إن ماما اتنازلت لك عن كل حاجة من شهر.. الشقة، والبيت اللي في المصيف، وحتى قرشين البنك.. مبروك يا منى، خدتي اللي إنتي عايزاه».
السكوت ملى المكان، لدرجة إني كنت سامعة صوت أمي في الأوضة التانية وهي بتحرك كوباية على التربيزة.
«هناء، أنا ممكن أشرح لك…» منى بدأت تتكلم بس أنا رفعت إيدي وسكتها.
«ما تشرحيش.. أنا فاهمة كويس.. فاكرة اليوم اللي جيتي فيه في نص الأسبوع؟ وقلتي إنك وحشاكي؟ وجبتي تورتة وورد؟ يومها أنا استغربت.. وبعدها قفلتوا على نفسكم الباب ساعتين.. كنتوا عند المحامي، صح؟»
منى عضت على شفايفها ومطقتش.
«وعارفة إيه أكتر حاجة تضحك؟»، حسيت بدموعي بتتحجر في عيني بس ابتسمت بالعافية: «أنا مش فارق معايا الشقة أصلاً.. كنت هديهالك من غير ورقة لو طلبتي.. أنا مش محتاجة المكان ده.. أنا كان نفسي في “عيلة”.. أم تقول لي شكراً مرة واحدة.. أخت تشيل معايا الحمل.. بدل ما تتفقوا وتخططوا من ورا ظهري».
«أمي هي اللي اختارت»، منى قالتها ببرود: «قالت إن أنا بنتها القريبة لقلبها.. وإنك إنتي كدة كدة قاعدة هنا ببلاش، وكان لازم تعوضني عشان مش بعرف أجيب أولادي وأجي».
ضحكت.. ضحكت بجد لحد ما عيني دمعت: «تعوضك عشان مش بتيجي؟ يا شيخة حرام عليكي.. يا منى إنتي عارفة أمك ندهت عليكي كام مرة في التلات سنين دول؟ كام ليلة عيطت فيها وهمست باسمك؟ كنتي موجودة مرة واحدة وهي تعبانة بجد؟». بقلم منــال عـلـي
«ما كنتش بقدر…»
«لأ.. إنتي مكنتيش عايزة.. فيه فرق».
شلت الشنطة ورحت للباب، منى مسكتني من كمي:
«هناء استني! طب وماما؟ أنا.. أنا مش هعرف أعمل كل ده لوحدي.. ماعرفش مواعيد الدواء ولا أعمل إيه لما تتعب وتجيلها النوبة…»
«هتتعلمي»، سحبت دراعي من إيدها: «أنا كمان مكنش حد اداني كتالوج.. عملت اللي المفروض يتعمل وبس».
«بس…»
«يا منى»، بصيت في عينيها اللي شبه عينين أمي بالظبط: «كنتي عايزة الورث؟ أديكي خدتيه.. خدي بقى أمك معاه».
فتحت الباب وخرجت على السلم.. الهوا البرد خبط في وشي، بس حسيت براحة وخفة ماشوفتهاش من تلات سنين.
«مش هينفع تمشي كدة!»، صرخت ورايا: «ده مش إنساني! دي أمك!»
لفيت بصيت لها لآخر مرة:
«هي اللي اختارت من زمان.. اختارت بنتها حبيبتها.. عيشوا بقى مع بعض باللي اخترتوه».
الباب اترزع ورايا.. سمعت صوت عياط منى من جوه، بس قلبي متهزش..
وووووو يتبع