سلفتي وحماتي ج٢ منى السيد

بصيت للست اللي كانت مرعوبة، وبسرعة بصيت لبره.. ولقيت نفسي قدام فصل جديد، مرعب، وأكبر بكتير من مجرد مشاكل عائلية أو طمع في شقة!
الفصل الرابع والأخير
صوت العربيات وهي بتقف بعنف قدام باب البيت كان عامل زي الرعد اللي جه فجأة في عز الشتا. الدنيا بره اتكهربت في ثواني، وأصوات الأبواب وهي بتترزع بحوة دقت في صدري قبل ما تدق في ودني. الست اللي كانت واقف قدامي على الباب وشها خطف، ولونها بقى أصفر كالميت، ومن كتر الرعب مبقتش قادرة تنطق بكلمة واحدة.
— مستر عاصم.. والناس بتوعه جم.. أنا قلت أحذرك، أنا ماليش ذنب واللهِ! — قالتها بصوت بيترعش وهي بتتلفت حواليها كأنها هاربة من حبل المشنقة، وقبل ما ألحق أرد عليها أو أمسك فيها تفهمني أكتر، دارت على كعبها وجريت بسرعة تخلع من الشارع كأن فيه عفريت ماشي وراها.
في اللحظة دي، دخل أحمد من باب الجنينة، وكان راجع من بره بعد ما خلص مشوار سريع للمصرف. أول ما شاف العربيات الغريبة وعدد الشباب اللي نازلين منها وواقفين بملامح حادة وواضحة، جري عليا بسرعة ودخلني جوه وقفل باب المطبخ بالمفتاح، وصوته كان مليان قلق وغضب:
— وسام! إيه اللي بيحصل بره دول مين؟
— معرفش يا أحمد.. الست اللي لسه ماشية دي بتقول إنهم ناس دافعين فلوس لأخوك أو مامتك في العقد المزيف، وجايين يطالبوا بحقهم بعد ما الصفقة باظت!
قبل ما أحمد يرد، سمعنا خبط عنيف وقوي على الباب الرئيسي للبيت، كأنهم عايزين يكسروه، وصوت راجل ضخم بيزعق بصوت عالي:
— افتحوا الباب! بدل ما نفتحه إحنا بمعرفتنا! مش هتاكلوا فلوسنا بالساهل يا نصابين!
أحمد بص لي نظرة حاسمة، وفتح درج الطاولة وطلع المفتاح الاحتياطي، وقال بصوت ناشف:
— اقعدي جوه، ومتحركيش من مكانك مهما حصل.. أنا هطلع أشوف إيه الحكاية ولآخرها فين.
— لأ يا أحمد، مش هسيبك لوحدك، إحنا مع بعض في الطالعة والنزلة!
خرجنا إحنا الاتنين على الصالة، أحمد فتح الباب الرئيسي بصلابة، ولقينا قدامنا تلات رجالة أجسامهم ضخمة وملامحهم مش مطمنة أبداً، وقدامهم واقف عاصم (أخو أحمد) ووالدته (حماتي)، وشكلهم كان مكسور ومنهار تماماً. أول ما عاصم شافنا، نزل عينه في الأرض، لكن واحد من الرجالة الكبار، اللي كان واضح إنه زعيمهم أو صاحب الكلمة، خطف خطوة لقدام وبص لأحمد بغضب أمهات:
— فين فلوسنا يا باشا؟ أمك وأخوك أخدوا اتنين مليون جنيه كـ مقدم لشراء الشقة دي، ودلوقتي جايين تقولوا الشقة مش للبيع ورجعت لصاحبتها؟ إنتوا فاكرين البلد فوضى ولا بيوت عم بحري؟
أحمد وقف قدامي ووقف بكل طوله قدام الراجل، وقال بصوت ثابت ميهزش:
— فلوس مين وإنتوا بتكلموا مين؟ الشقة دي مسجلة باسم مراتي، وأمي وأخويا عملوا عقد مزور من ورايا ومن وراها، واحنا رجعنا حقنا قانوني في الشهر العقاري امبارح! روحوا هاتوا فلوسكم من اللي ضحك عليكم وخدها منكم، مش من بيتي!
الزعيم ضحك ضحكة سخرية وطلع ورقة من جيبه وقال:
— لا يا شاطر.. أحنا معاينا عقد بيع رسمي وموثق، وممضي من الست الهانم بنفسها أو ببصمتها اللي حماتكم جابتها لنا، والفلوس دي دخلت في حساب عاصم، وهو صرفها على مشاريعه وكسر السوق، ودلوقتي إما تدفعوا الفلوس فوراً، يا إما النيابة العامة هتاخد الكل في قضايا نصب وتزوير جماعي، وعاصم وأمك هيباتوا الليلة دي في الحبس!
حماتي انهارت تماماً، وقعت على ركبتها في الصالة وفضلت تعيط وتلطم على وشها:
— الحقني يا أحمد.. الحق أخوك.. هيحبسوه.. واللهِ العظيم ما كنتا أعرف إن الموضوع هيوصل لكده، أنا كنت فاكرة هبيعها من وراكم وأصلح بيها حالة أخوك المادية!
بصيت لحماتي، وقلبي ما حسش بأي شفقة عليها، السنين اللي كسروني فيها، والإهانات، وكسرة قلبي في بيتي، واليوم اللي حرقت فيه إيدي ووقعت تورتة تعبي، كل ده عدى قدام عيني شريط سريع.
— وكنتِ فاكرة إنك لما تسرقيني وتدوسي على تعبي وتبيعي بيتي عشان تدللي بيه ابنك التاني، ربنا هيسيبك؟ كنتِ فاكرة إنك على راسك ريشة؟
الزعيم بص لأحمد وقال بلهجة حاسمة:
— قدامكم ساعة واحدة.. يا تدفعوا التمن، يا تاخدوا بعضكم على القسم، والكل هيتحبس!
مشيوا وسابوا البيت مكهرب وريحة المشاكل مليانة في الجو. عاصم وحماتي فضلوا قاعدين على الكراسي بره، عاصم بيشتم أمه، وأمه بتعيط وتندب، والدنيا كلها اتقلبت فوق دماغم. أحمد دخل الأควة وقفل الباب، ومسك راسه بين إيديه وهو بيتنفس بصعوبة بالغة.
— هنعمل إيه يا وسام؟ المبلغ كبير أوي، وإحنا لو طلعنا فلوسنا كلها مش هنقدر ندفع الاتنين مليون جنيه دول ليهم، ودي ناس شكلها خطر وما بيتهدروش!
قعدت جنبه، وحطيت إيدي على إيده اللي كانت بتترعش، وبصيت في عيونه بابتسامة هادية وثابتة خلت استغرابه يزيد:
— مين قال لك إننا هندفع لهم جنيه واحد؟
— أمال هنعمل إيه؟ القضايا والتزوير هياخدوا عاصم وأمي.. وأنا مش هسقدر استحمل أشوف أمي في السجن، مهما عملت!
— مش هيدخلوا السجن يا أحمد.. ولا إحنا هندفع مليم واحد. تعالى معايا.
قمت وفتحت درج المكتب بتاعي، وطلعت منه ملف صغير كان فيه كل الأوراق اللي جمعتها من أول يوم بدأت فيه المشكلة: صور كاميرات المراقبة اللي قدام الشارع واللي بتثبت دخول الراجل ده للبيت وقت سرقة الأوراق، ومحضر الشرطة القديم اللي أثبتنا فيه سرقة الأوراق الرسمية قبل حتى ما يظهر عقد البيع المزور، والأهم من كده.. إيصالات التحويل البنكي اللي عاصم نفسه مضى عليها وأثبتت إن الفلوس دي دخلت حسابه الشخصي من غير علم ولا إمضا مني أنا ولا إمضا أحمد!
— إيه ده يا وسام؟ — سألني أحمد باستغراب شديد وهو بيقلب في الأوراق.
— ده طوق النجاة لينا ولأممك.. أنا من أول يوم حسيت إن اللعبة أكبر من مجرد شقة، فبدأت أجمع كل دليل، وأوثق كل حركة بكاميرات المراقبة والمستندات.. والناس اللي بره دول، مش معهمش حق قانوني، دول معهم “عقد باطل” لأن البائع (اللي هو حماتي) باعت حاجة مش ملكها، والعقد ده مسجل بالتزوير، والنيابة لو دخلت في الخط، عاصم هيعتبر “نصاب” والناس اللي بره دول هيتحاكموا بتهمة “شراء مال مسروق ومعلوم مصدره”، وده معناه إنهم لو عملوا أي مشاكل تاني، هيروحوا هم كمان في داهية!
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط تاني على الباب، بس الخبط كان هادي ومنتظم.. فتحنا، ولقينا حكومة الشرطة واقفة على الباب، ومباحث الأموال العامة والمفرزات حوالين البيت!
عيني وسعت بذهول، وعاصم وحماتي وقفوا من الخضة. ظابط المباحث دخل بكل هيبة وثقة، وبص في الورق وفينا وقال:
— مين صاحب البيت هنا؟
أحمد طلع لقدام وقال:
— أنا يا باشا.. ودي مراتي وسام صاحبة الشقة.
الظابط بص للورق اللي في إيده وقال:
— جتلنا إشارة وبلاغ رسمي من محامي الشقق والمستثمرين إن فيه عصابة نصب بتبيع عقارات مزورة بمستندات مسروقة.. وإحنا راقبنا الحسابات، وطلع إن عاصم ابن السيدة دي هو اللي كان بيخطط لعملية البيع دي، والناس اللي بره دول قبضنا عليهم وهم بيحاولوا يهددوا أصحاب البيت الحقيقيين!
الدنيا جمدت في المكان. عاصم اتخطف لونه ووقع مغشي عليه على الأرض، وحماتي صرخت صرخة عالية هزت الحوائط وفضلت تلطم وتقول:
— ابني.. ضاع.. ابني ضاع بسبب طمعي!
الشرطة دخلت وخدت عاصم والرجالة اللي كانوا بره في عربيات المساجين، وحماتي فضلت قاعدة على الباطل تعيط وتترجانا نروح معاها، بس أحمد بص لها نظرة أخيرة مفيهاش أي لوم، لكن فيها انكسار سنين طويلة من السكوت على غلطاتها، وقال بصوت حزين:
— إنتِ اللي اخترتِ الطريق ده يا ماما.. إحنا حذرناكِ، ومراتي سكتت كتير وصبرت، لكن الطمع أعمى قلبك.. روحي معهم، والمحامي بتاعنا هيتابع القضية عشان نثبت إننا ملناش ذنب، لكن أنا مابقاش عندي طاقة أشيل شيلتك أكتر من كده!
عدت الشهور، وكأن عاصفة مدمرة مرت على البيت وسابت آثارها، لكنها في نفس الوقت نضفت الهوا وكل الحاجات الغلط اللي كانت تراكمت سنين طويلة. القضية خلصت بحكم على الناس اللي شاركوا في التزوير، وعاصم خد حكم مع وقف التنفيذ بعد ما أثبتنا إنه كان مخدوع من شبكة النصب الكبيرة، وحماتي دخلت في حالة اكتئاب شديدة وبقت قاعدة في بيتها لوحدها، بعد ما كل اللي حواليها عرفوا الحقيقة، ومحدش رضا يروح لها.
أما أنا.. فرجعت لشغلي بقوة أكبر بكتير. مشروع الحلويات بتاعي بقى معروف في القاهرة كلها، والطلبات بقت تتحجز قبلها بشهور، ودور الأرضي رجع ينور بريحة الفانيليا والتشيز كيك والجاتوهات اللي بحبها.
في يوم، كنت واقفة في المطبخ بجهز طلبية كبيرة لكافيه جديد في الزمالك، والفرن شغال، وريحة المخبوزات مليانة المكان. سمعت صوت خطوت خفيفة على الدرج، ولقيت أحمد نازل وماسك في إيده كوباية قهوة، وقف قدامي وابتسم بابتسامة دافية وجميلة، وقال:
— ساكتة ليه يا ست الكل؟ مخلصتيش التورتة الكبيرة ولا إيه؟
بصيتله وضحكت، ومسحت إيدي في المريلة وقربت منه:
— لسه يا سي أحمد.. بس خلاص، قربت أخلصها.. وأحلى تورتة هتبقى ليك ولأول مشروع جديد لينا بره مصر كمان!
أحمد حط كوباية القهوة، وشدني من إيدي بحنان، وقال وهو بيبص في عيوني:
— عارفة يا وسام؟ رغم كل المرار اللي شفناه، وكل اللي عملته أمي.. أنا فرحان بحاجة واحدة بس.
— إيه هي؟
— إنك وقفتِ، وإنك مسبتيش حقك يضيع.. وإن بيتنا ده، اللي اتعمل بتعب أبوكي الله يرحمه، فضل باسمك، وفضلنا مع بعض، أقوى من أي حد حب يكسرنا.
سندت راسي على كتفه، وبصيت من شباك المطبخ على الشارع الهادي، وحمدت ربنا ألف مرة إن كل عاصفة مهما كانت قوية، بتعدي وتفوت، وتسبقها شمس جديدة تنور لنا بكرة. شغلي، حياتي، بيتي، وحبي لأحمد.. بقوا أحصنة مبيتهزموش قدام أي طمع ولا أي حقد.
حياتنا رجعت تهدى، ورجعت أنا “وسام”، الست اللي مفيش قوة في الدنيا تقدر تسرق منها تعبها، ولا تكسر قلبها تاني ابدًا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *