سلفتي وحماتي ج٢ منى السيد
الفصل التالت
قعدت حماتي على الكرسي، ووشها أصفر، وعينيها بتلف في الأوضة كأنها بتدور على مخرج أو طوق نجاة، بس مكنش فيه أي مخرج. الكاس اللي تجرعته كان مر، ووقوعها في الفخ كان أسرع بكتير مما تتخيل. أحمد وقف قدامها، نظراته كانت مكسورة بس حازمة؛ الصدمة إن أمه تعمل كده كانت أثقل على قلبه من أي حاجة تاني، بس الحق كان واضح قدام عينه زي الشمس.
— ها يا ماما؟ القرار عندك.. قدامك دقيقة واحدة، تفكري فيها كويس، تختاري النيابة والسجن، ولا تروحي بنفسك تخلصي المهزلة دي وتلغي كل ورقة اتزورات؟
حماتي بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مهزوز وفيه شرخ واضح:
— إنتوا.. إنتوا عايزين تودوا أمكم في داهية عشان ورقة؟ طيب.. طيب اههدوا.. أنا هعمل اللي أقدر عليه.. بس بلاش قسم وسجن، دي فضيحة وسط العيلة!
— الفضيحة الحقيقية إنتِ اللي عملتيها بإيدك.. وبكرة الصبح، الساعة تسعة، هتكوني معانا في الشهر العقاري عشان نلغي التوكيل ونرجع كل حاجة مكانها.. ولو فكرتي تلعبي بديلك أو تهربي، التسجيل اللي معايا ده هيروح للنيابة العامة فورًا.
سابوها وخرجنا. طول الطريق وأنا حاسة برعشة خفيفة في إيدي، مش خوف، لكن إرهاق عصبي رهيب. كل اللي كنت بفكر فيه: هل بجد هتروح معانا بكرة ولا دي حيلة جديدة؟ هل العقود والتوكيلات ممكن تتلغي بالسهولة دي بعد ما دخلت دوامة المحاكم؟
رجعنا البيت، أحمد دخل الأوضة وقعد على السرير وماسك راسه بين إيديه. قربت منه وقعدت جنبه، حطيت إيدي على كتفه.
— زعلان مني يا أحمد؟ إني كنت قاسية معاها؟
رفع راسه، وبص لي بعيون مليانة حزن وأسف:
— أنا اللي خجلان منك يا وسام.. من أول يوم دخلتِ فيه البيت ده، وأنا كان نفسي أحميكي من كل حاجة، من كلامها وجرحها، وافتكرت إن السكتة والطناش هيهدوا الأمور.. بس طلع طمعهم ملوش حدود. سامحيني.. أنا السبب في كل ده لأني سكت كتير.
— مش وقت الكلام ده يا أحمد.. اللي جاي أصعب، ولازم نكون إحنا الاتنين إيد واحدة عشان نرجع حقنا.
تاني يوم الصبح بدري، والشمس لسه دوبها طالعة تنور شوارع القاهرة الهادية، كنا واقفين قدام باب الشهر العقاري. قلبي كان بيدق بسرعة كأن فيه طبول جوه صدري. الساعة جت تسعة، وفجأة شفناها جاية مع عمي (حمايا)، اللي شكله كان تايه ومش فاهم أي حاجة من اللي مراته عملته وراه. أول ما شافنا، جه علينا وعينيه في الأرض من الخجل.
— حقك علي يا بنتي.. حقك عليا أنا.. واللهِ ما كنت أعرف حاجة عن الهبل اللي عملته دي، فاكرة إنها بتعمل كده لمصلحة أخوه، ومش عارفة إنها بتدمركم وبتدمرنا كلنا.
— معلش يا عمي.. المحاكم مش بتعرف عواطف، بتعرف ورق.. ويا ريت نخلص بسرعة عشان كل واحد يروح لحاله.
دخلنا جوه، وابتدينا الإجراءات القانونية الصعبة والمؤلمة. الموظفين، المحامين، الأوراق اللي بت رايح وبتجي، التوقيعات الجديدة، وإلغاء التوكيلات المزورة. الساعات كانت بتعدي كأنها سنين، وكل خطوة كنت بحس فيها إن جزء من عمري بيرجعلي. ولما الموظف المختص ختم الورق النهائي بإن “الشقة ملك لصاحبتها الأصلية وسام”، حسيت إن جبل كبير اتقلع من على صدري.
خرجنا من الشهر العقاري، وحمايا وحماتي مشيوا في طريق، وأنا وأحمد ركبنا العربية عشان نرجع البيت. بس في طريقنا، التليفون رن بصوت مزعج كسر سكون العربية.
أحمد بص في الشاشة، وشيّه اتغير تماماً.
— ده عاصم.. أخويا.
— عاصم؟ اتصل ليه؟ افتح، اسمع عايز إيه.
أحمد فتح السبيكر، وصوت عاصم كان طالع منه عصبية وغضب شديد، وبيصرخ بصوت عالي:
— إنتوا عملتوا إيه في أمي يا أحمد؟! إنت اتجننت عشان مراتك؟ الست راجعة البيت معيطة وتعبانة والضغط طالع لها، عشان إيه؟ عشان شقة مراتي أصلًا أحق بيها! وفلوس التسوية بتاعتي اتمسحت وضاعت في ثواني!
أحمد اتعصب وصرخ في التليفون بصوت هز طبلة أذننا:
— اخرس خالص يا عاصم! أمك عملت ج/ريمة جنائية، سرقة وتزوير! بدل ما تكسف على دمك وتيجي تعتذر لينا، جاي تدافع عن النصيبة اللي عملتوها؟ واللهِ لو سمعت صوتك تاني ولا قربت من بيتي، ما هكتفي بالورق، ده أنا هحبسكم كلكم!
قفل السكّة في وقته بغضب، ورمى التليفون على الكرسي جنبه وهو بيتنفس بصعوبة.
— شفتي؟ عائلة مفترية.. فاكرين إن أملاك الناس وتعب السنين لعبة في إيديهم.
— سيبك منهم يا أحمد.. المهم إن حقنا رجع، والشقة بقت في إيدينا قانوني. خلينا نركز في شغلنا وبيتنا، وباقي القرف ده ننساه.
رجعنا البيت، وفتحت باب الشقة بانتصار. ريحة الخشب والهدوء اللي بحبه رجعوا تاني. بس الحياة مابتفضلش هادية كتير. بعد مرور أسبوعين تقريبًا، كنت واقفة في المطبخ بجهز طلبية كبيرة لكافيه مشهور في الزمالك، وشغالة بكل طاقة، خصوصاً بعد ما طلبيات الحلويات زادت ورجعت سمعة مشروعي أحسن من الأول بكتير.
وأنا مندمجة في الشغل، سمعت صوت خبط خفيف على باب الدور الأرضي (مكان المشروع). استغربت، لأن زباين الحجز متعودين يتصلوا قبل ما ييجوا. سيبت اللي في إيدي، وغسلت إيادي بسرعة، ورحت أفتح الباب.
فتحت، ولقيت واحدة ست ما اعرفهاش، لابسة عباية سوداء، وشكلها مبهدل كأنها جاية من سفر طويل أو ماشية كتير في الشمس. عينيها كانت مليانة دموع، وبصتلي بصتر ترجي وقالت بصوت مكسور:
— إنتِ.. إنتِ وسام؟
بصيتلها بقلق واستغراب:
— أيوا، أنا وسام.. مين حضرتك؟ وعرفة اسمي منين؟
الست دخلت خطوة جوه الباب، ووقفت قدامي وهي بتترعش، وطلعت ورقة قديمة مطوية من جيبها ومدتهالي وهي بتقول:
— أنا ابقى أخت الراجل اللي.. الراجل اللي اشترى الشقة دي في العقد المزور اللي حماتك عملته.. وجاية أحذرك.. لأن اللي جاي أهون بكتير من اللي مخبيين ليكِ.
حسيت بدمي بيتجمد في عروقي.
— تقصدي إيه؟ اشتريها إزاي وهو متزور؟
— جوزي الله يرحمه.. ما كانش يعرف إن الورق مزور.. حماتك ضحكت عليه وأخذت منه فلوس طائلة تحت اسم “مقدم بيع وشراء”، ودلوقتي.. الناس اللي دفع لهم الفلوس دي، والناس اللي وراهم، مش هيسيبوا حقهم بالساهل.. وهم عارفين إنك أنتي اللي بوظتي الصفقة.. وهم جايين في سكة، ومش جايين يتفاهموا!
قبل ما ألحق استوعب الكلمة، أو أسألها مين هم وليه جايين، سمعت صوت عربيات كتيرة بتقف بعنف قدام باب البيت، وصوت أبواب بتفتح بصوت عالي، وأصوات رجال غريبة بتنادي بصوت مهيب:
— وسام.. طلّعي اللي عندك.. اللعبة خلصت!