كنت اطعم بنتي
موقع أيام نيوز
إليه المال الذي أرسله معها.
خلال الأسابيع الأولى بعد الطلاق، أدركتُ حقيقة مؤلمة لا أملك شهادة، ولا معارف، ولا أصدقاء.. لكنني أتقن شيئاً واحداً فقط إعداد المخبوزات.
في قصر طارق، كانت تعمل طاهية تدعى مريم. وفي غياب طارق، كانت تعلمني سرّاً طريقة إعداد المخبوزات والحلويات الشرقية والغربية. وقبل رحيلي، أهدتني دفتر دُوّنت فيه أفضل وصفاتها وقالت لي أنتِ تساويين أكثر بكثير مما جاعلكِ تعتقدين.
بما تبقى معي من مدخرات قتيلة، استأجرتُ متجراً صغيراً بمسلحة ثلاثين متراً مربعاً، وأسميته مخبز لطيفة.
كان الشهرين الأولين كابوساً؛ أستيقظ في الخامسة صباحاً، أُطعم لطيفة، ثم أضعها في مهد صغير خلف المنصة وأبدأ في عجّين الطحين. في بعض الأيام، لم أكن أجمع حتى ثمن الكهرباء.
لكن في الشهر الثالث، اشترت معلّمة بعض الفطائر. وفي اليوم التالي عادت مع ثلاث من زميلاتها.. وبعد أسبوع، كان الناس يقفون في طابور خارج المحل. في الشهر السادس اضطررتُ لتجميع معونة، وفي الشهر الثامن سددتُ كل ديوني، وفي الشهر العاشر فتحتُ حساب توفير صغيراً للطيفة به أربعة آلاف ريال.. لم تكن ثروة، لكنه كان مالاً كسبتُه بعرق جبيني.
لم يأتِ طارق لرؤية ابنته ولا مرة، كان مساعده يرسل كل شهر الرسالة نفسها السيد طارق يسأل إن كانت الآنسة لطيفة بخير.
وكنتُ أرد بخير جداً. لا غير.
ولدهشتي، كنتُ أنا أيضاً بخير.. بل أفضل بكثير. فقد اكتشفتُ أن أكون فقيرة وحرة، أسهل بكثير من العيش في قصر وأنا أشعر بأنني غريبة.
حتى جاءت بعد ظهر يوم ممطر، بعد عشرة أشهر من طلاقي.. رنّ جرس الباب.
كنتُ أزين كعكة عندما سمعتُ صوتاً أعرفه أكثر من اللازم
قهوة سوداء.. بدونسكر.
سقطت الملعقة من يدي.. رفعتُ رأسي.
كان طارق يقف أمام منصة البيع. بدلة سوداء، ومعطف مبتل، والوجه البارد نفسه. لكنه لم يكن ينظر إلى قائمة الطعام.. كان ينظر إلى لطيفة.
كانت ابنتنا تجلس على طاولة صغيرة، تضحك بينما يمسح رجلٌ بعض الشوكولاتة عن أنفها.
كان ذلك الرجل هو خالد.. المحامي الذي اتصلتُ به ليلة طلاقي.
تطلع طارق إلى المشهد لثوانٍ، ثم نظر إلى اللوحة المعلقة خلفي
المالكة سارة
ولأول مرة منذ عرفته… رأيتُ الخۏف في عينيه.
سأل بنبرة مضطربة
ما معنى هذا؟
وقبل أن أجيب، نهض خالد ببطء، واستند إلى المنصة، ثم وضع عليها ملفاً بنياً وقال
معناه أننا عرفنا أخيراً ما حدث لوالد سارة.
شحب وجه طارق تماماً وضاع منه كل لون.. وفي تلك اللحظة
، فهمتُ أن طليقي كان يعلم شيئاً.. شيئاً لم يخبرني به قط.
أخذ المطر ينهمر بغزارة أكبر، وكأن سماء القرية الصغيرة قد قررت أن تغسل معاصي السنوات الماضية دفعة واحدة. صوت القطرات المرتطمة بالزجاج الخارجي ل مخبز لطيفة كان يتناغم مع دقات قلبي المتسارعة، لكنني تعلمتُ جيداً كيف أُبقي ملامحي جامدة، تماماً كما كنتُ أفعل خلف جدران ذلك القصر