اختي صفاء اماني السيد
بصيت لها وضحكت.. ضحكت بصوت عالي لدرجة إن مروة اتخضت وقامت وقفت: “أنت بتضحك على إيه؟ أنا بتكلم جد على فكرة!”
قلت لها بنبرة هادية وميتة: “بضحك على نفسي يا مروة.. بضحك على البشمهندس كريم اللي كان فاكر نفسه مهندس أد الدنيا، وهو في الحقيقة مجرد محفظة متحركة.. مبروك عليكي يا مروة، ومبروك على مامي غسالة الأطباق.. بس أنا مش دافع حاجة، ومش رايح في حتة”.
“يعني إيه؟” زعقت مروة وعينيها أتحولت لشرار: “أنت بتلوي دراعي؟ أنت نسيت أنا مين ولا إيه؟ أنا مهندسة ومن عيلة، ومش هسمحلك تعاملني كأنك متجوز واحدة من الشارع!”
الكلمة دي.. “واحدة من الشارع”.. كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. الكلمة دي فكرتني بصفاء، وفكرتني بنفسي وأنا بذل هدى. وقفت قصاد مروة وقلت لها بكل برود: “الست اللي من الشارع دي يا مهندسة.. كانت بروقة عنك، وكانت بتفهم في الأصول عنك وعن عيلتك. الشقة دي إيجارها هيتدفع لآخر الشهر، وهدومك تلميها وتروحي ل مامي.. أنا مش هكمل في التمثيلية دي”.
سيبتها تصرخ وتكسر في البيت، ونزلت. مكنتش فارقة معايا ومكنتش خايف من كلام الناس ولا من برستيجي اللي كنت بعبدُه زمان.
رحت قعدت في عربيتي على كورنيش النيل، وطلعت تليفوني. فتحت صفحة هدى على الفيسبوك اللي كنت دايماً براقبها في السكتة. لقيتها منزلة صورة جديدة ليها مع العيال في جنينة الشقة الجديدة بتاعتهم. العيال كانوا بيضحكوا من قلبهم، ضحكة عمري ما شفتها وهم معايا في شقة الكومباوند. وهدى كانت واقفة وسطهم، بعبايتها البسيطة الراقية، ملامحها مرتاحة، ومفيش في عينيها أي أثر للخوف.
كتبت بوست على صفحتي، وأنا عارف إنها مش هتشوفه لأنها عملتلي بلوك من زمان، بس كنت بكتبه لنفسي.. وللتاريخ.. ولأي راجل فاكر إن السيطرة بالذل والكسر بتصنع ورث:
> “كنت فاكر إني المنقذ، وكنت فاكر إن الشهادة والمنصب هما اللي بيعملوا القيمة. بس اكتشفت إن القيمة الحقيقية هي الروح اللي بتشيلك وأنت معندكش حاجة. خسرت الجوهرة اللي كانت بتدعيلي في سجدتها، وكسبت المظاهر اللي بتمص في دمي. النهاردة أنا واقف بطولي، مهندس أد الدنيا.. بس أصغر بكتير من إني أطول نظرة عتاب من الست اللي كانت في يوم.. ملكي”.
قفلت التليفون، وبصيت للنيل، وحسيت بنسمة هوا باردة خبطت في وشي. لأول مرة من سنة أحس إني بتنفس، بس كان نفس حراق.. نفس مليان بندم هيعيش معايا لآخر يوم في عمري. الخاتم اتقلع خلاص، والصباع اتقطع، والندم بقى هو الساكن الوحيد في قلبي.