اختي صفاء اماني السيد

بقيت مقسم وقتي بين الشقتين، بس في الحقيقة، أنا كنت عايش مع مروة، وهدى بقت بالنسبة لي مجرد “بيت قديم” بزوره تأدية واجب. بقيت أدخل شقة هدى يدوب يومين في الأسبوع، أدخل ببرود، عيني مش بتيجي في عينها، كأني زاير غريب. بقيت أصرف كل فلوسي واهتمامي على مروة.. خروجات، وسفر، ولبس براندات، وشياكة. أما هدى؟ فبقيت أرمي لها مصاريف البيت والعيال بنشفان ريق، وكل ما تطلب مصاريف زيادة عشان طلبات الولاد اللي بتكبر، كنت بزعق وأقولها: “أنا مش ملاحق على مصاريف الشقتين! لمي إيدك شوية، أنتِ قاعدة في البيت مبتعمليش حاجة ومبتصرفيش على لبس وخروج زي غيرك”.

كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي السكينة، تبلع غصتها وتسكت وهي باصة في الأرض. الإهمال مكنش بس في الفلوس، ده كان في وجودي نفسه. بقيت لما أروح عندها، أقعد باصص في تليفوني، بكلم مروة أو بتابع شغلي، ولو هدى حاولت تفتح معايا أي موضوع يخص البيت أو العيال، كنت بصدها ببرود: “مش فاضي دلوقتي يا هدى، دماغي مش قايدة”.

أختي صفاء كانت دايماً تتصل بيا وتسألني عن الأحوال، ولما أقولها إني سايب هدى ومقضي كل وقتي مع مروة، كانت تضحك وتقولي: “أهو ده الصح يا كريم.. سيبها كدة مركونة على الرف عشان تعرف قيمتك، وتعرف إنك لولا كرمك وفلوسك مكنش هيبقى ليها سقف يداريها. هي أخرها تربي العيال، إنما الواجهة والشياكة لمروة”. كلام صفاء كان بيملا راسي بالغرور، ويخليني أشوف إن إهمالي لهدى ده حق من حقوقي، وهي لازم ترضى بيه وتستحمله وهي ساكتة لأن ملهاش بديل.

مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي. ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.

لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها…

والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.

كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل. وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *