حصاله ازاز ج٢ منى السيد
أحمد قام يجري ويتعثر في رجلين المساجين التانيين وهو بيصرخ:
— محامي؟ مريم بعتت محامي يتنازل؟!
خرج لأوضة الزيارة المكتومة، لكن الصدمة كانت لما لقى أمه “سعاد” هي اللي قاعدة، لابسة عباية سودة ومطرحة مش معدولة، وشها شاحب وعينيها وارمة من كتر اللطم والصراخ.
أول ما شافته، جريت عليه وحضنته وهي بتولول:
— يا نهار اسود ومنيل يا أحمد! عملت فينا إيه يا ابني؟! داليا بايتة في حجز النسا، والشقة بتاعتك اتحجز عليها، والبوتيك اتشمع بالشمع الأحمر! والناس في الحتة كلو وشنا وبيقولوا عيلة نصابين!
أحمد زقها بعنف وبصوت مفروس:
— ابعدي عني يا أمي! ده كله بسببك وبسبب قلة عقلك! مين اللي جاب الحصالات وقلبها على دماغها؟! مين اللي قال نطردها ونجوزه بنت المقاول؟! مريم طلعت بنت الحوت الكبير! بنت منصور الشناوي اللي بنشحت من شركاته الشغل! ضيعتيني وضيعتي نفسك يا شيخة!
سعاد اتصدمت ولطمت على صدرها:
— وأنا إيش عرفني يا واد؟! هي كانت ماشية بحتة عباية كالحانة وتطبخ وتكنس زي الشغالات؟! لو كانت بنت ناس وأكابر كانت بانت عليها العز والنعمة!
أحمد صرخ فيها وهو بيضرب كف في كف:
— كانت بتعمل كده عشان كانت شارية راجل.. بس إحنا طلعنا رخاص وبعناها عشان شوية فكة! مريم مجهزة ملفات سجن ليا وليكي ولداليا.. أنا هتحبس مش أقل من عشر سنين في قضايا اختلاس وتزوير يا أمي! افهمي، مستقبل ابنك راح خلاص!
سعاد رجليها خارت وقعدت على الكرسي تلطم وتندب:
— طب والحل يا ابني؟ نعمل إيه؟ أروح أبوس رجلها قدام الناس كلها؟ أروح ألحس التراب اللي بتمشي عليه؟ قولي أعمل إيه وبنتك داليا هتموت في الحجز من الرعب!
أحمد قعد قدامها وعينيه فيها نظرة يأس وغدر لسه مخلصتش:
— مفيش غير حل واحد.. مريم كانت بتحبني، وعشر سنين مش هيتمسحوا بيومين.. لازم تروحي لبيتها وتعملي مسكنة، تروحي لقصر الشناوي وتصوتي وتستعطفي أبوها، تقولي إنك ست جاهلة وكبيرة ومكنتيش عارفة قيمتها.. خليهم يتنازلوا عن الشيكات وقضايا الاختلاس، وبعدها نبقى نشوف هنعمل إيه!
سعاد هزت راسها بسرعة:
— هروح.. هروح الصبح بدري وأتمرمغ في تراب فيلتهم لحد ما تعفو عنا!
صباح اليوم التالي — على باب القصر
الشمس كانت لسه طالعة، وأنا كنت واقفة في بلكونة أوضتي الكبيرة في الدور التاني، ببص على الجنينة والنافورة اللي في النص، وفي إيدي فنجان النسكافيه بتاعي.
بصيت على البوابة الحديدية ولقيت المشهد اللي كنت مستنياه.
سعاد كانت واقفة برة البوابة، مش لابسة الدهب الكتير اللي كانت بتتباهى بيه، ولا الرافعات والغرور اللي كانت بتمشي بيهم في الصالة لما طردتني. كانت قاعدة على الرصيف، حاطة إيدها على خدها، وكل ما تشوف أمن القصر تقرب من السلك وتصرخ:
— دخلوني لمريم! قولو لمريم بنتي وسندي تخرجلي! أنا أمها وحبيبتها!
ابتسمت بسخرية.
“بنتك وسندك؟ بعد ما كنت شحاتة وجاية من الشارع ومليش تمن؟”
نزلت تحت، ولبست فستان كلاسيك أسود شيك جداً، ورفعت شعري لفوق بحيث الجرح اللي في جبيني يبقى باين وواضح، ولبست نضارتي، وخرجت للجنينة ووقفت ورا البوابة الحديدية الضخمة.
شاورت للأمن يفتحوا الباب الصغير.
أول ما الباب اتفتح، سعاد رمت نفسها على الأرض قدام رجلي، ومسكت في جزمة كعبي العالي وهي بتعيط بنحيب يقزز:
— مريم يا بنتي.. حقك عليا، اضربيني بالشبشب، حطي رجلك على رقبتي، بس اعفي عن أحمد وداليا! أحمد هيموت في الحجز وداليا هتضيع.. إحنا ملناش غيرك يا ست البنات! ده إنتِ عشتي وسطينا عشر سنين عمرنا ما شوفنا منك غير الخير!
بصيت لها من فوق لتحت ببرود تام، وموطيتش حتى أرفعها من على الأرض:
— قومي يا حماتي.. عيب، إنتِ ست كبيرة، وابنك بقى مدير عام كبير أوي ومينفعش أمه تترمي في التراب كده.. مش ده كلامك برضه من يومين؟
سعاد رفعت وشها المليان دموع وتراب:
— كنت عامية يا بنتي والله العظيم كنت عامية والشيطان عماني! سامحينا لوجه الله، متخربيش بيت ابنك اللي بناه معاكي!
— بيته؟
رديت عليها بصوت هادي كالسيف:
— ابنك مبناش حاجة.. أنا اللي بنيت كل طوبة، وأنا اللي اشتريت العربية اللي راكبها، وأنا اللي توسطتله في الشركة اللي اترفد منها.. وابنك مكنش بس قليل الأصل، ابنك كان حرامي، وسرق من شركات أبويا ملايين وهو فاكر نفسه ذكي.
سعاد اتصدمت واتجمدت مكانها:
— حـ.. حرامي؟! أحمد ابني؟!
طلعت من شنطتي كيس قماش تقيل.. كيس مليان جنيهات فكة حديد.
مسكت الكيس وفتحته، وقلبته ببطء فوق راس سعاد وهي قاعدة على ركبتها.. صوت رنين الجنيهات الحديد وهي بتخبط في طرحتها وتقع على التراب حواليها كان كفيل يخلي الحراس والأمن يبصوا بذهول.
قلت لها والجنيهات بتنزل على كتافها:
— ده تمن الرجاء بتاعك يا سعاد هانم.. لمي الفكة دي جنيه جنيه من على التراب وادفعيها كفالة لبنتك في القسم.. وأما أحمد، فقوليله إن الملف رقم 47 اتحول رسمي لنيابة الأموال العامة من نص ساعة بس.
سعاد وقفت مذهولة، بتترعش ومش قادرة تنطق، بتبص للفكة اللي في الأرض وتبصلي برعب حقيقي:
— أموال عامة؟! إنتِ نويتي تدمرينا خالص؟!
قربت منها خطوة واحدة، وشاورت على الجرح اللي في وشي:
— الحصالة اللي رمتيها في وشي علمتني درس واحد.. إن اللي يتهاون في حقه يستاهل يتداس عليه.. وأنا مش هتهاون في مليم، ولا في ثانية سجن لابنك الخاين.
شاورت للأمن:
— شيلوا الست دي برة الملكية الخاصة.. ولو خطت عتبة الشارع هنا تاني، اطلبوا النجدة بتهمة التهجم والتعدي.
الحراس مسكوها وخرجوها برة وهي بتصرخ وتولول بهستيريا وصوتها بيعلى في الشارع زي المجانين، وأنا لفيت ضهري ودخلت القصر بخطوات ثابتة وراس مرفوعة.
دخلت الصالون، لقيت بابا بيتكلم في التليفون مع رئيس مجلس إدارة بنك كبير، بصلي وابتسم وقفل السكة:
— مريم.. أحمد في النيابة دلوقتي بيحققوا معاه، واعترف على شركاء ليه في عمليات التوريد المشبوهة.. بس فيه مفاجأة تانية لسه واصلة من المحامي.
قعدت وحطيت إيدي على خدي بفضول:
— مفاجأة إيه يا بابا؟
بابا فتح ملف لسه واصل حالا بختم النسر:
— أحمد مكنش بس بيسرق من ورانا.. أحمد كاتب عقود بيع وشراء شقق وهمية باسم واحدة اسمها “نهى توفيق”.. والفلوس اللي كان بيختلسها كانت بتروح لحسابها هي تمهيداً إنه يهرب معاها برة مصر بعد ما يطلقك ويسيب لأمه وأخته الديون والشيكات!
ضحكت بأعلى صوتي.. ضحكة فيها سخرية ومرارة من كمية القذارة اللي كانت مستخبية:
— يعني حتى أمه اللي كانت بتطردني عشانه.. كان بايعها وناوي يرميها في الشارع مع أخته!
بابا قفل الملف وقال بحدة:
— دلوقتي بقى.. اللعبة وسعت.. ونهى توفيق دي هي اللي هتبقى المفتاح اللي هيدخلهم كلهم في جحر ميعرفوش يخرجوا منه أبداً.