٦ شهور بحوش ج١ منى السيد

أحمد خبط بإيده على الترابيزة.

— رجعي هدومي!

— لما الفلوس ترجعلي.

— إنتِ مجنونة!

— لأ.

سكتت لحظة، وبصت في عينه.

— أنا بس بطلت أوافق على كل حاجة بتقولها.

أحمد صرخ:

— كل اللي في الجواز ده ملكنا إحنا الاتنين!

مريم ردت فورًا:

— تمام. يبقى حجز الرحلة كمان كان ملكنا إحنا الاتنين.

سكت أحمد.

ولأول مرة، مريم شافت في عينيه حاجة مختلفة.

هو ماكانش زعلان عشان الاتفاق اتكسر.

هو كان زعلان لأنها بطلت تطيعه.

لكن اللي حصل بعدها كان أخطر بكتير…

لأن مريم وهي بتجمع حساباتها اكتشفت إن موضوع الرحلة نفسه فيه حاجة مش منطقية.

الحجز كان باسم حماتها…

لكن عدد النزلاء في الحجز كان اتنين.

ومريم ماكانش حد قال لها إن فيه شخص تاني مسافر.

والشخص ده…

ماكانش اسمه ظاهر في أي مكان من اللي أحمد وريه لها.

الجزء الثاني
مريم وقفت في المطبخ وضربات قلبها كانت بسرعة مش طبيعية. الورقة بتاعة الحجز اللي كانت شافتها على موبايل أحمد امبارح بالليل كانت لسه مطبوعة في دماغها زي الوشم. هي لمحت سطر صغير جدًا تحت اسم الحاجة نوال، سطر هو حاول يداريه بصباعه وهو بيقفل الشاشة بسرعة لما حس إنها بتدقق:
عدد النزلاء: 2 بالغين – غرفة مزدوجة مع تراس بانورامي.
في اللحظة دي، ومريم باصة لأحمد وهو واقف قدامها بالبوكسر ووشه جايب ألوان من الغيظ والعجز، كل نقطة شك كانت مكتومة جواها انفجرت.
أحمد كان بيتنفس بصوت عالي، وعينيه رايحة جاية بين الورقة اللي في إيده وبين مريم اللي كانت واقفة ثابتة زي السد.
— إنتِ هتهزري يا مريم؟ افتحي الدولاب وطلعي الهدوم، أنا متأخر على اجتماع مهم في الشركة!
مريم أخدت بق قهوة تاني بكل برود، وحطت الفنجان على الترابيزة بالراحة:
— وأنا مش بهزر يا أحمد. 96 ألف و840 جنيه يرجعوا حسابي، هدومك هترجع مكانها في الدولاب خلال خمس دقايق. غير كده، انزل شغلك باللي عليك ده.. لو تقبله على نفسك يعني.
— إنتِ اتجننتي رسمي! بتبتزيني في بيتي؟
— ده مش ابتزاز، دي تسوية حسابات. إنت اللي بدأت ونزلت قوانين اللعبة الجديدة. لما قلت إن مرتبك بتاعك لوحدك، يبقى مرتب معناه إني مش ملزمة أصرف عليك قرش واحد من مرتي. الفلوس اللي أنا دفعتها دي كانت على أساس إننا شراكا وبنحوش للرحلة سوا. بما إن الرحلة طلعت لمامتك بس، يبقى إنت كنت بتستغلني وتخليني أتكفل بأكلك ولبسك وبنزين عربيتك عشان إنت تحوش وتدلع.
أحمد قرب منها وهو بيتكلم بعصبية وبيشاور بصباعه:
— أمي تعبانة! فاهمة يعني إيه أمي تعبانة؟! ضهرها محتاج المحلول والسبا ده! إنتِ إيه؟ مفيش في قلبك رحمة؟ بقيتي حجر كده ليه؟!
مريم بصت له بنظرة ثاقبة وشفايفها اترسمت عليها ابتسامة سخرية متألمة:
— أمك على عيني وعلى راسي، ومفيش مشكلة إنك تعالجها.. بس من جيبك! مش تدبسني أنا في مصاريف بيتك ست شهور وتيجي في الآخر تقول لي “أمي يا ستي” وتخليني أحرم نفسي من أبسط حقوقي! وبعدين.. تعال هنا صحيح..
مريم خطت خطوة ناحيته، وأحمد أخد خطوة لورا من غير ما يحس.
— هي أمك رايحة السخنة مع مين؟
أحمد رمش بعينيه مرتين بسرعة، وحرك رقابته بقلة أريحية:
— يعني إيه مع مين؟ رايحة لوحدها طبعًا!
— لوحدها؟ في أوضة دبل بتراس؟ وعدد الأفراد المكتوب في الحجز “2 بالغين”؟ هي الحاجة نوال بقت بتحجز لشخصين عشان تحط شنطتها في السرير التاني؟ ولا كبرت وبقت تترعب تنام لوحدها؟
أحمد اتلخبط، ولسانه ثقل لحظة قبل ما يرد ويحاول يداري ارتباكه بالصوت العالي:
— إيه الجنان ده؟! أختي.. أختي هبة هتروح معاها عشان تخلي بالها منها! إنتِ بتفتشي ورايا وبتحققي كمان؟!
— هبة؟
مريم سالتها ببرود وهو بيدمر كل حجة بيقولها.
— هبة اللي ولدت قيصري من أسبوعين ومابتقومش من السرير؟ هبة اللي جوزها مطلع عينها عشان مابتمشيش من البيت؟ دي هي اللي هتروح السخنة تعمل سبا مع أمك؟
أحمد سكت. السكوت كان تقيل، ومليان كذب ملوش رجلين يقف عليها. وش أحمد ابتدى يعرق، وبص في الساعة اللي في إيده لقها تمانية إلا ربع.
— مريم.. خلصينا من الجنان ده. الفلوس دي تحويشة عمري مش هعرف أفك منها حاجة دلوقتي، والرحلة اتدفعت خلاص. سيبي الموضوع ده يتلم وبعدين نتكلم. طلعي الهدوم الله يخليكي، أنا كدة هتجازى في الشغل!
مريم قعدت على كرسي السفرة، حطت رجل على رجل، وبصت له بكل ثبات:
— تحويشة عمرك؟ الـ 134 ألف دول مش تحويشة عمرك، دول مرتبك بتاع الست شهور اللي فاتوا بالمليم. وبما إنك مش قادر تدفع لي اللي عليا، يبقى استعوض ربنا في الهدوم لحد ما تتصرف.
— إنتِ فاكرة إنك كدة بتلوين دراعي؟ والله لأوريكي يا مريم!
أحمد سابها ودخل الأوضة، رزق الباب وراه برزع هز الحيطة. مريم فضلت قاعدة مكانها. من بره كانت باينة متماسكة وقوية، بس من جوة كانت إيديها بتتطلع مرعوبة، وقلبها بيتقطع. الوجع مكنش بسبب الفلوس، الوجع كان بسبب السنين اللي ضاعت وهي فاكرة إنها بتبني بيت مع راجل بيفكر فيها وفي مستقبلهم، واكتشفت في لحظة إنه كان بيستخدمها كـ “حصالة” بتصرف عليه وهو بيخطط لحياته بعيد عنها.
بعد عشر دقايق، أحمد خرج. كان لابس ترينج قديم أوي من بتاع التمارين زمان، ترينج مبهوق ولونه باهت ومقطوع من عند الركبة، ولابس في رجله شبشب بيت.
بص لها بغيظ وهو بيمسك مفاتيح عربيته وموبايله:
— أنا نازل الشغل كدة يا مريم. خليهم ينفعوكي الـ 96 ألف بتوعك. وعليّ النعمة ما هعدي الموضوع ده على خير، والرحلة دي هتتم، وأمي هتروح، وإنتِ حسابك معايا بعدين.
مريم ردت عليه من غير ما تبص له حتى:
— مع السلامة يا أحمد.. بلاش تتأخر على الاجتماع عشان الترينج يلحق ياخد واجبه.
أحمد نزل ورزع باب الشقة وراه بكل قوته.
أول ما صوت خطواته اختفى على السلم، مريم اتنفست بطريقة هستيرية، والدموع اللي كانت حابساها نزلت كئيبة وساخنة على خدها. بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع صدمة الغدر. مسحت دموعها بسرعة بقسوة، وقامت وقفلت الباب بالمفتاح والترباس.
“أختي هبة هتروح معاها؟”
الجملة دي فضلت ترن في دماغ مريم. أحمد كان بيكذب، والكذب كان واضح في عينيه زي الشمس. هي عارفة كويس إن هبة أخته محجوزة في البيت مع ابنها الجديد، والحاجة نوال أساسًا مابتقطيعهوش مع هبة ومبتحبش تخرج معاها في حتة.
يبقى مين الشخص التاني؟
مريم مشيت ناحية ترابيزة السفرة، مسكت الموبايل بتاعها، وفتحت الواتساب. دخلت على شات “هبة أخت أحمد”.
كتبت لها:
— صباح الخير يا هبة، عاملة إيه والنونو عامل إيه النهاردة؟
ردت هبة بعد دقيقتين بمسج صوتي، وكان صوت البيبي بيبكي وراها وهبة باين عليها التعب والفرك:
— الحمد لله يا مريم، يموت من التعب والله.. الجرح لسه بياكلني مش عارفة أقف على رجلي ساعة، ومحمد جوزي طالع نازل يتخانق معايا عشان البيت مبهدل. إنتِ عاملة إيه وأحمد عامل إيه؟
مريم كتبت ببرود:
— الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يقويكي. كنت بس بظبط حاجات مع أحمد عشان رحلة السخنة بتاعة طنط نوال، وهو قال لي إنك ممكن تروحي معاها تفيقي شوية.. فقلت أسألك لو محتاجة حاجة أجهزها لك.
جاء لها الرد الصوتي من هبة بسرعة، وفي صوتها ذهول وضحكة سخرية:
— رحلة إيه يا بنتي وسخنة إيه؟! هو أنا قادرة أروح التواليت لما هروح السخنة؟! بعدين ماما نوال قالت لي إنها مش طالعة في حتة الصيف ده عشان رجلها تعباها ومابتستحملش صهد البحر! أحمد بيقول لك إيه إنتِ؟ هو اتجنن ولا إيه؟
هنا، الأرض اتسحبت من تحت رجل مريم.
الحاجة نوال نفسها مكنتش تعرف حاجة عن الرحلة!
مريم حست بدوخة شديدة. مسكت في حرف الترابيزة وقعدت.
لو الحاجة نوال مابتحبش البحر وماتعرفش عن الرحلة.. وهبة مابتقومش من السرير.. يبقى الحجز اللي بـ 134 ألف و600 جنيه باسم “الحاجة نوال عبد الحميد” ده إيه؟
دا كان مجرد ستار. أحمد حط اسم أمه في الحجز عشان لو مريم قفشت الموبايل ولا لمحت الإيميل، يمسكها من إيدها اللي بتوجعها ويقول لها “دي أمي وضهرها تعبان ومينفعش تتعرضي لأمي”، فيكسر عينها ويسكتها برابوس البر بالوالدين.
بس الحقيقة.. الرحلة مكنتش لأمه.
الرحلة كانت لأحمد.. وشخص تاني.
مريم دماغها بدأت تشتغل زي الماكينة. فتحت اللابتوب بتاع أحمد اللي كان سايبه على السفرة. أحمد كان دايماً بيستعمل باسورد واحد لكل حاجة: تاريخ ميلاد أمه.
كتبت الباسورد.. اللابتوب فتح.
إيديها كانت بترتعش وهي بتفتح متصفح الإنترنت. دخلت على أكونت الجيميل بتاعه اللي كان مفتوح أوتوماتيك. راحت على خانة البحث وكتبت كلمة “حجز” أو “Booking”.
طلع لها إيميل التأكيد بتاع المنتجع الصحي في العين السخنة.
فتحت الإيميل وقرت التفاصيل بالكامل.
الحجز فعلاً مدفوع بكارت البنك الفيزا بتاعه.
المبلغ: 134,600 جنيه.
النزيل الرئيسي: نوال عبد الحميد.
النزيل الإضافي:
وهنا.. مريم اتسمرت مكانها.
الاسم المكتوب تحت النزيل الإضافي مكنش اسم راجل.. ومكنش اسم حد من قرايبه.
الاسم كان: نهى شريف صلاح.
مريم بصت للاسم وثواني وجمود تام صابها. نهى شريف؟ مين نهى شريف؟!
رجعت بذاكرتها لورا.. الست شهور اللي فاتوا.
افتكرت كل مرة أحمد كان بيرجع فيها متأخر من الشغل وبيقول “عندي أوفر تايم يا مريم عشان نعرف نحوش”.
افتكرت كل مرة كان بيحط الموبايل على وشه وهو نايم.
افتكرت الريحة الغريبة اللي كانت بتطلع من قمصانه وساعتها كان يقول لها “دي ريحة المعطر بتاع الشركة الجديدة”.
افتكرت الزميلة الجديدة اللي اتعينت معاه في القسم من سبع شهور.. اللي كان بيمدح في شطارتها قدامها ويقول “دي بنت ناس أوي ومجتهدة”.
نهى.. زميلته في الشغل.
أحمد كان بياخد مرتبه، اللي مريم وفرت له كل جنيه فيه من دمها وعرقها وحرمانها، عشان يروح يقضي أسبوعين مع زميلته في أفخم منتجع صحي في العين السخنة، وتحت اسم أمه عشان يغطي على قذارته!
مريم مدمعتش. الدموع جفت تماماً. يتحول الوجع جواها لكتلة من الثلج والنار في نفس الوقت.
مسكت الموبايل وصورت شاشة اللابتوب بالكامل، بالإيميل، بالاسم، برقم الحجز، وبكل التفاصيل.
وبعدين قفلت اللابتوب بالراحة.
وقامت وقفت في نص الصالة.
الصدمة الأولى كانت الفلوس.. الصدمة التانية كانت الخيانة.. بس اللي جاي؟ اللي جاي مش هينفع معاه مجرد قفل دولاب أو إخفاء هدوم.
مريم رفعت سماعة الموبايل واتصلت برقم.
ردت عليها الحاجة سعاد من الدور الأرضي:
— أيوة يا مريم يا بنتي؟ الهدوم زي ما هي في الكراتين محدش جه جنبها.
مريم ردت بصوت ثابت، هادي، ويخوف من كتر ما هو مفيش فيه أي انفعال:
— أيوة يا حاجة سعاد.. معلش هتعبك معايا. الكراتين دي مش هتقعد عندك.
— أومال هتروديها فين يا بنتي؟
— فيه عربية نقل هتعدي عليكي كمان ساعة تاخدهم.
— تاخدهم توديهم فين؟ هو أحمد هيعزل ولا إيه؟
مريم ابتسمت ابتسامة باردة جداً وهي تبص لصورته اللي معلقة في الصالة:
— لأ يا حاجة.. الهدوم رايحة عنوان تاني خالص.. رايحة لبيت حماتي الحاجة نوال. أصل ابنها حابب يريحها الصيف ده.. وأنا قررت أريحهم هم الاثنين مني خالص.
قفلت مريم مع الحاجة سعاد، وفتحت الدفتر تاني. المرة دي مكنتش بتكتب أرقام مصاريف البيت.
المرة دي كتبت عنوان واحد في أول الصفحة:
“قائمة المنقولات الزوجية.. ودعوى تبديد.”

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *