جوزي قالي انه مسافر
رجعت لورا وقعدت على الكرسي، ومسكت راسي اللي كانت هتنطق من كتر التفكير. شريط دوا الضغط بتاع أحمد اللي لقيته في زبالة سمر.. الجزمة اللي فيها خدش الكعب.. إيصال الأكل لشخصين.. وقطعة الألومنيوم اللي مكتوب عليها بخط إيدي «التلات»!
أنا عمري ما كتبت الكلمة دي تخص سمر، ولا فكرت أكتبها أصلًا إلا
لو كانت حاجة تخص جدول أدوية أو مواعيد تخص البيت عندنا.. فإيه اللي جابها فوق؟
خيط الغموض يتسحب
تاني يوم الصبح، نزلت لعم رجب في البدروم تحت الجراج كأني نازلة أجيب طلبات، وفتحت معاه الكلام بذكاء الموظفة القديمة اللي عارفة تطلع الكلمة من بطن الطير:
—يا عم رجب، هو بوابتنا منورة دايماً بيك.. بس قول لي، هو أنت مش لاحظت حاجة غريبة في العمارة الأسبوعين اللي فاتوا دول؟ أحمد جوزي مسافر، ومع ذلك سمعت صوت خبط في الدور السادس كأن فيه حركة كتير بالليل.
عم رجب حك دقنه البيضا وبص حواليه بحذر وقال بصوت واطي:
—يا ست سما.. الصراحة، الباب بيفتح ويقفل من زمان، مش بس الأسبوع ده. بس الأستاذ أحمد.. كان بيطلع فوق بحذر، أحياناً بيلبس كاب عشان الكاميرات القديمة اللي كانت متوصلة تحت.. والأغرب يا بنتي، إن المرحوم محمود.. الله يرحمه.. قبل ما يموت بشهرين، كان جه عندي وقالي “يا عم رجب، لو حسيت إن فيه صوت غريب فوق أو إن أحمد بينزل من عند سمر متأخر، سيبك خالص.. ده أمر عائلي بنحله”.
كلمات عم رجب نزلت عليّ زي الصاعقة.
محمود.. جوز سمر اللي مات في حادثة عربية من ست شهور.. كان عارف؟
يعني الموضوع مش خيانة اتولدت النهاردة ولا إمبارح.. ده سر قديم بين الأخوات، وسر ممتد جوه جدران العمارة دي!
المواجهة الكبرى
في نفس اليوم بالليل، الساعة اتنين بالليل.. سمعت تكة أسانسير.
فتحت باب شقتي بهدوء تام، من غير ما أصدر أي صوت، ووقفت في الطرقة المضلمة.
أحمد
كان نازل من فوق، لابس نفس التيشيرت اللي سافر بيه. أول ما لف ولقاني في وشّه واقفة وكتفي مائل على الباب وباصه له بنظرة ثابتة.. الدم جرى في عروقه ووقف في مكانه كأنه شاف شبح.
—س.. سما؟ إنتي مش نايمة؟ مش المفروض كنتِ..
قاطعته بصوت هادئ وثابت مكنش فيه نقطة عياط واحدة:
—المفروض إني في إسكندرية، صح؟ أو نايمة في السرير وتعبانة بالدوا.. بس الحقيقة يا أحمد إن جزمتك اللي فيها خدش الكعب لسه مبيّنة مكانها تحت كنبة شقة سمر فوق.. وإيصال الأكل وشريط الضغط.. وورقة الألومنيوم اللي بخط إيدي.. حان الوقت تقول لي الحقيقة كاملة، من غير ولا كلمة كدب واحدة، لإنك لو كدبت دلوقتي.. لا أنا هسكت، ولا المحكمة اللي اشتغلت فيها سنين هتسيبك تطلع منها سليّم.